25 | 09 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

اغتراب / سلوى الراشدي

اغتراب

بقلم

سلوى الراشدي


اختيار

نجاة البكري

قرأت من باب الذاكرة للكاتبة التونسية سلوى الراشدي "اغتراب"  وأردت أن تستمتعوا معي بإبداعها 


عندما يجتاحه الحنين يتمطط الطريق تحت قدميه ويبدو له أنّ الشارع يطول وأنه لن يبلغ نهايته مهما اهترأت قدماه من المشي...الأشياء من حوله تفقد بريقها بمجرد أن يقع نظره عليها ...الألوان تبهت ثم تنحلّ...الأشكال تتخلى عن هندستها تحت ناظريه وتسيل ...وجه المدينة يذبل ...يتشوّه...الناس أجسام ملفوفة بلا ملامح تتجوّل في كل الاتجاهات ...الأصوات تتضخّم أو تحتدّ حينا وحينا آخر تضعف حتى تذوب وتتيه عن مصدرها ومعناها...

وبيته !؟...

إنّه يصل إليه آليا بلا سابق إضمار ولا تخمين...الباب يفتحه بلا عناء ويتركه ينغلق وراءه أخيراً...الجدران هنا كاتمة، ثابتة، شامخة وكأنما أقيمت لتوّها...وأشياؤه في حمّى من العدم الذي يعمّ الدنيا في الخارج...هنا صور لأهله وخلّانه وكتب وتحف من بلاده تحرس المكان...يسارع إلى مكانه يتهالك عليه...يترك نظره يجوب السقف ...في هذه الرقعة البيضاء الفارغة مطاره وقاعدة إقلاعه إلى فضاء آخر وزمان آخر...الذكرة تتأجج وتهيج

الحنين يطبق جفنيه على ثنايا "شال" أمه وهو يستنشق رائحتها عند الوداع..."ألا يكفيك ترابنا وماؤنا وسماؤنا ؟ أم أنّك لا ترضى حتى تقف على الأشياء بنفسك وتلمسها عن كثب ؟...لا بد أنه حليب الناقة الذي سقيتك إياه صغيراً قد بعث في دمائك روح الترحال فلم تعد تعبأ بحرقتي لفراقك !"

كانت ترى حدود العالم في حدود بلادها وتعدّ بلدتها بل بيتها قلبه النابض ولا تستبدل بذلك شيئا مهما كان نفيساً1..

أمّا هو فكان يتيه بقناعات وشعارات كثيرة تزدحم في رأسه وتغلي في عروقه وتدفع به بعيدا عن أحضان الأم وأهداب الحبيبة ورفقة الحيّ إلى وطن أكبر  حدوده أقصى أحلامه أكبر...كان في قرارته أمر آخر داكن ...رماد متكدّس على جمر دفين تعلمه أمه كما يعلمه هو ويواريانه الصمت...من الأمور ما يكون فوق الكلام لأنه استخلص كل الكلام فيظل حضورا مستمرّا يحلّق فوق حياتنا ويملأ الهواء الذي نتنفّس ويغمر يقظتنا ويعشّش في أحلامنا !!

نهض من السرير فجأة وراح إلى مكتبه تحت النافذة وتناول ورقا وقلماً...كانت تلك الحركة هي إيذاناً بطفحان الكيل وحتميّة الإفراغ.

تأهّب للخطاب وركّز نظره على النافذة يستحضر صورتها فاخترق الفضاء وراح بعيدا...راح يتقصّى أثر خطواتها في مسالك المدينة العتيقة...هناك حيث تمتزج رائحة الحنّاء برائحة البخور والعنبر...مشى وراء خيالها تحت السقف الطويل المُحدّب...وفي سيل "البركة" المذهّب...تتبّع خطاها الوئيدة في ربوة البلفدير* الخضراء وبين قصور الأموات في الزلّاج ورأى آثار كفّها على الأبواب العتيقة والخلوات والتوابيت...سكر بتمتماتها وحرترة دعائها...رآها في بستانها تحضن العطرشاء وتجمع زهور الياسمين...رآها في مطبخا تعدّ عجائبها المتبّلة...رآها في غرفته تُقلّب أشياءه وتحدثها بحنان  فريد وتداعبها وتعاتبها وتقبّلها...

فهوى القلم على الورق وانساب سيل الأشواق الحرّى فكست الحروف البياض أو جلّه ثم توقف السيل برهة !.....


يتبع