14 | 12 | 2019
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

الشاطئ..دينا نبيل

الشاطئ


دينا نبيل

لم يكن جديداً أن يأتي إلى هنا .. لا لسببٍ إلا لأنه يقطن هنا.

عند الشاطئ .

على الرمال المرمرية .. بين الصخور النخرة ، حيث عشّته الصغيرة التي لا تتسع لأكثر من شخص واحدٍ .. حتى وإن أتى زوّار ، فمن يحبس ناظريه عن الأفق الفيروزي في الظهيرة أو العسجدي وقت الغروب! .

وحده الذي لا يرى جديداً في المكان،  فالبحر في مكانه منذ أن رأت عيناه النور .. منذ أن انتشى لأول لفحة يُودٍ في صيف قائظٍ ، وبعدها اعتاد الأمر .

الجديد أنّه عاد تلك الليلة يصطحب معه شخصاً آخر .. يحمله حيناً ويجرجره أحياناً ، ألقاه على الشاطئ ريثما يجد له مخبأ.

العشّة ليست مكاناً آمناً يخبئ فيه صاحبه ، حتماً سيرتاب الناس فيه إذا رأوه نائماً خارج عشّته.

لم يفكّر .. هدير الموج يشتته ، يبعثر تركيزه.

جلب مجرفته وأخذ يحفر .. وبيديه يعمّق الحفر.

يأتي الموج يناكفه .. يناكده ، يملأ حفره .. يسكنها ويذوب داخلها.

الرمال هلامية تطفو فوق حساء الموج المائع ، شعره يلتصق بعرق جبينه .. الملح على وجهه وبين يديه.

لم يتوقف ..

وكذلك الموج .. يعود من جديد جالباً معه طحالب بنيّة يسكبها في الحفر، تعلق بأصابعه ، تلتف عليها.

إلى جانبه جثّة صاحبه يتلاعب بها الموج ، يطوّح رجليه وذراعيه .. يجذبه نحو البحر رويداً رويداً .

 جرى نحو الجثّة يشدّها، لا يمكن أن يتركها للبحر وإلّا سيقذفها في الصباح على شاطئ آخر.. وينكشف الأمر.

الرمال أفضل من البحر.

الرمال تستر .. تقبر، الماء ينضح .. يفضح .

أسرع بالحفر .. واستغرق فيه ، كما لو كان سيحفر إلى الأبد.

جذب صاحبه من ثيابه وألقاه في الحفرة ، لم تكن عميقة كفاية لإخفائه .

الرمال تتفلّت من بين أصابعه .. تتساقط على صاحبه كوحل لين ينزلق ويعود إلى الشاطئ .

الرمال اليابسة بعيدة .. هناك مارّة وأضواء ، هنا هو والظلام .

صار الردم لصقاً وترقيعاً بحفنات الرمال الحسائية .

وانتهى .

لا يدري متى .. سقط بجانب الردم بلا حراك.

ونام لا يدري كم .. ربما يوما أو بعض يوم.

واستيقظ ..

كان وحده .. لا جثة .. لا آثار دفن.

أخذ يتحسس وجهه هل طالت لحيته؟ .. هل شابت؟

هل اهترأت الجثة من الملح ، فتحللت وذابت وسط الرمال ؟ .. أم حملها البحر وابتلعها ؟

هرول نحو البحر .. يصرخ بكل ما بقي فيه من قوة .. عبثاً يتّقي بكفيه السقوط في الماء ، يزحزح رجليه بين الأمواج كجبلين .. يبحث عن الجثّة علّها ترتطم بقدميه .. وغاص باحثاً .

كم لبث تحت الماء؟

 لا يدري .. ربما يوماً أو إلى الأبد!