14 | 12 | 2018
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

للا عزيزة عثمانة,,امرأة بالف/ حاتم سعيد

من الذاكرة تخرج نساء كتب تاريخهن بالذهب


عزيزة عثمانة



هي أميرة تونسية من أصول تركية ولدت في النصف الأول من القرن السابع عشر سنة 1606م على الأرجح وتوفيت سنة 1669م.

ذكر المؤرخون أنّ نسبها يعود لأبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان داي الذي حكم البلاد التونسية فيما بين 1593 إلى 1610م، ومن هنا جاءت شهرتها بعثمانة.

ترعرعت كأميرة في قصر جدّها في تونس، تحيطها رعاية أبيها الذي كان يعتبرها درّة بيته، وذلك لما كانت تتمتع به من جمال فتاّن ومواهب سابقة لأوانها، إذ إنها أظهرت منذ عهدها استعدادات نادرة، سواء لدراسة الأدب أو لتلقي العلوم الدينية من نخبة من الأساتذة المشهورين، الذين أتاحوا لها فرصة اكتشاف المعاني الحقيقية للحضارة الإسلامية، والأسس التي بنيت عليها تعاليم الدين الحنيف.
درست القرآن الكريم منذ الصّغر وتبيّنت منه دور المرأة الايجابي في مساعدة المحتاجين والفقراء، فجعلت منه ممارسة يوميّة في الحياة، وانعكس هذا التوجّه في جميع قراراتها ومواقفها وسلوكيّاتها طيلة عمرها فرسّخت بذلك عقيدة الاسلام أخلاق وعمل

.
وما قدمته من أعمال يوحي بيسر أنها أدركت خلق الإسلام السّمحة، التي أساسها احترام النفس واحترام الآخرين وحُبّهم، لا مجرد شعارات ترفع في مجالس القصور.
يذكر المؤرّخ الصّادق الزّمرلي في كتابه أعلام تونسيون، أنّ عزيزة عثمانة قد تأثرت بشخصية جدّها عثمان باي، وقد أبدت منذ طفولتها ميلاً إلى التأمل والعبادة، ففرضت نفسها على الجميع وتفوقت عليهم، سواء كانوا من أفراد عائلتها أو من أبناء عصرها، بفضل ما كانت تتحلى به من رفعة أخلاق وعفة وورع وعلم وشجاعة

.
كان جدّها قد استفاد من ثقة الانكشاريّة (العسكر العثماني)، واتساع ثروته المتأتية من إسهامه في التجهيز للقرصنة لينفرد بالحكم في الايالة العثمانية التونسية سنة 1594م إلى 1610م حيث سن القوانين الجديدة لإدارة البلاد ونظّم شؤونها وحصن السواحل وشجع وفود المماليك والمهاجرين الموريسكيين (القادمين من الأندلس) للاستقرار بنواحي عديدة من التراب التونسي فنشطت الحياة الاقتصادية بالمدن والأرياف، وقد تواصل هذا الرخاء النسبي مع خلفائه المباشرين طيلة النصف الأول من القرن 17 مع يوسف داي وأسطا مراد وأحمد خوجة، ويعزى ذلك الى ارتفاع مردود القرصنة البحرية الذي استفاد من الصعوبات التي واجهتها أروبا، كما عاينت هذه المرحلة تباينا في المصالح بين حكام أوجاق الغرب الثلاثة واتصل ذلك بمسألة ضبط الحدود مما ساعد على تشكل المجال الترابي لكل إيالة ، مثلما أشار إليه المؤرخ ابن أبي دينار.
تزوجت في سنّ مبكّرة ضابطاً من حاشية والدها يقال إنه مراد باي أو موراتو كورس (مراد كورسو)، وهو أول البايات المراديين ومؤسس الدولة المراديّة ، حيث تولى الحكم من عام 1628 إلى 1631م.
ويذكر المؤرخون أن سبب تسميته (كورسو) تعود لأصوله الكورسيكية (نسبة الى جزيرة كورسيكا بإيطاليا حيث ولد بمدينة كالفي)، واسمه الحقيقي (جاك سانتي) وقد أسر وهو يبلغ من العمر تسع سنين وبيع عبدا فوقع تربيته تربية الجنود الانكشاريين، وهناك من يذكر أنّه أصبح مملوكا لرمضان باي الذي قرّبه ولمّا لمس منه الولاء والذكاء ولاّه قيادة المحلة ذلك الجهاز الجبائي والعسكري الموروث عن الحفصيين الذي يسهر على جمع الضرائب المفروضة على داخل البلاد فأبلى في مهمّته البلاء الحسن طيلة عشرينات القرن السابع عشر ومن ثمة قام بتوريثها لابنه الوحيد محمد بن مراد باي المعروف بحمودة مكتفيا بمنصب الباشا الذي ناله من الباب العالي باسطنبول في سنة 1631م.
قام البايات المراديون باعادة سياسة الحكم الملكي الذي يقوم على توريث الأبناء كما توارثوا خطة قيادة المحلة وبما تمثله من مصدر رئيسي لجمع الأموال واطلاع مباشر على رؤساء التجمعات الداخلية فتمكّنوا من تمتين روابطهم المصلحية بهم وتحالفوا مع عدة قبائل ذات تقاليد عريقة في الخدمة المخزنية مثل قبيلة دريد وذلك لاخضاع القبائل الخارجة عن سلطة الدولة وبذلك تراجعت سلطة الدايات لتقوم سلطة البايات المراديين.
أصبحت عزيزة عثمانة الملكة ورغم صفتها الجديدة يقول المطلعون على خفايا القصور من المؤرخين أنّها حرصت أن تكون في المقام الأوّل زوجة وربّة بيت تسهر وقبل كل شيء على تدبير شؤون قصرها الذي كان يعج بالخدم من جميع الأصناف.
لم تكن حياة البذخ والترف والسلطان تعنيها فلم تؤثر فيها تلك الاغراءات الاجتماعيّة التي كانت تستسلم لها السيدات المنتميات إلى نفس مرتبته، مثلما أكده الباحث الصادق الزمرلي في كتابه أعلام تونسيون.
ورغم أنّ المعلومات المتعلّقة بحياتها في القصر شحيحة، إلا أن هناك أسطورة تقول أن الشرفية وهي طريقة صيد تقليدية اشتهرت بها جزر قرقنة في تونس ربّما تكون الفكرة وليدة القرن السابع عشر على إثر اقتراح من الأميرة عزيزة عثمانة على الباي تتمثّل في تقسيم ضفاف البحر إلى أقسام صغيرة يمكن لسكان الجزر استغلالها لصيد السمك، وتعتمد على تقسيم المساحة الموكولة للشرفية بتصفيف سعف النخيل حولها، ثم يقع اصطياد السمك بجذبه في غرفة صغيرة يقع ترتيبها داخل كل قسم. ويسمى ذلك السمك الذي يقع صيده "الحوت الشرفي". ولا نعلم وجه الحقيقة والخيال في هذه القصّة، بينما نجد في المقابل أنها اكتسبت شهرة لا مثيل لها ومحبّة في أوساط التونسيين في زمانها بتعلّقها بالأعمال الخيريّة التي قدّمت المساعدة للمحرومين والفقراء والمرضى وكبار السنّ وفاقدي السند حيث خلّد التاريخ أنّها بسطت يدها بكلّ سخاء وعطاء لتنفيذ مشاريع أسّست بشكل واضح مبدأ التكافل الاجتماعي والاعتناء بالمساكين وإلغاء الاستعباد وإطلاق سراح المعتقلين ودفع فدية تحررهم إلى جانب بناء المنشآت الدينية من مساجد وزوايا وكتاتيب، فكانت النتيجة تأثر جيل كامل جاء من بعدها واقتدائه بأفعالها

.
يذكر ان عزيزة عثمانة أعتقت كل عبيد قصرها عقب عودتها من أداء فريضة الحج.
كما أوصت بوقف ثلث أملاكها الواقعة بولايتي صفاقس والمهدية الحاليتين التي تناهز مساحتها التسعين ألف هكتار على عدد من المشاريع الخيرية الدينية والإنسانية، من بينها إعالة العجّز وختن أبناء الفقراء والعناية بالمرضى من ضعاف الحال... وقد أنشأت عزيزة "مارستنا"، تعالج فيه جميع الأمراض في نهج العزّافين، صار يسمى فيما بعد "المستشفي الصادقي"، والمسمى الآن مستشفى "عزيزة عثمانة" تخليدا لذكراها علما و انها خصصت جانبا من أوقافها لتسديد مصاريفه ومختلف لوازمه.

وحبّست (أوقفت) عزيزة عثمانة جميع عقاراتها وأموالها للأعمال الخيرية، فأنشأت المستشفيات والصناديق المالية لعتق بقية العبيد وفداء الأسرى وتجهيز الفتيات الفقيرات وغير ذلك من الأعمال النبيلة في وصيّة لم تشهد البلاد مثلها من قبلها.
توفيت هذه المرأة العظيمة سنة 1669م لتدفن قرب المدرسة الشماعية بمدينة تونس وقد تركت في وصيّتها رجاء يقول : (يوضع عند طلوع كل فجر إكليل من الزهور على قبري)، ولكن تمرّ السنون و لا يبق من تاريخها سوى اسمها الذي أطلق على بعض الأنهج والشوارع...
ماتت عزيزة وفارقت العالم والبلاد بجسدها ولكنها بقيت بأفكارها حيّة في قلوب الملايين عزيزة على كل امرئ تشبع بقيمة شريعة الاسلام السمحة والمبادئ الكونيّة التي تضمن للمحتاج أملا وللضعيف حلاّ عندما يجد الأبواب مغلّقة في وجهه ويشاهد غيره من الميسورين ينعمون برخاء العيش.
جسّدت هذه الأميرة دور المرأة التاريخي في البلاد التونسية فهي لم تكن مجرّد صدفة بل محطّة من جيل طويل من الأسماء اللامعة التي نسجت لوحات الفخر والانتماء لوطن يبنيه الرجل والمرأة على حدّ السواء، حتّى نعلم علم اليقين أن بنات حوّاء لسن ناقصات عقل ودين كما يروّج بل لهن دور قد لا يتمكن من فعله الرجال وبهن يكتمل الوجه الحقيقي للأسرة ودورها في المجتمع الاسلامي.

أعمال البرّ والإحسان في تونس ودور المرأة التاريخي

يقول محمد بيرم الخامس (توفي 1889): "لم يترك أهل البرّ من المتقدمين سبيلا لعمل الخير إلاّ جدّوا إليه سراعا، وأقبلوا عليه أتباعا، وتنافسوا فيه تنافس حذّاق الصنّاع في معارض الاختراع، حتى أنه ليستولي العجب على من يطلّع على سجلاّت الأوقاف إذ يرى كيف أرصد الواقفون أموالهم لوجوه البرّ المختلفة ومصاريف الخير المتنوّعة ..."
ويقول محمد السنوسي(توفي.1900):" ومن تقصى أحوال الأملاك التونسية، وطالع الكثير من صكوكها...، ورأى ما بقي من آثار الأحباس العامة التي اجتمعت بقيتها لإدارة جمعية الأوقاف...، يمكن له أن يجزم بأن قسما عظيما من عقار المملكة جالت فيه يد الحبس في عصر من العصور، وذلك لما كان عليه الأهالي من الميل إلى تحبيس أملاكهم إما لقصد إقامة وجه من البرّ، أو لإقامة مصلحة عامة كالجوامع والمساجد والزوايا والمدارس والمكاتب والكتب والدروس والأحزاب والتّكايا للسكنى والإطعام والسّقايا والجسور وإعانة الحجّاج، وختن الصبيان، ومداواة المرضى وإقامة الأسوار والحصون إلى غير ذلك من الوجوه المرعية في سالف العصور، وهاته الأوقاف تسمى أوقافا عامة لأن نفعها يرجع للعموم...، وبهذه الأسباب (وغيرها) صار إلى الحبسية معظم العقار التونسي...
وجاء في كثير من الدفاتر القديمة عدّة وصايا:
"...حبّس ما ذكر على ما ذكر حبسا مؤبدا ووقفا حراما سرمدا، لايبدّل عن طريقه، ولا يغيّر عن سبيله، ولا يباع ولا يوهب ولا يورث إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدّلونه إن الله سميع عليم، أو سعى في تغييره فالله حسيبه وولي الانتقام منه، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ....."
ومن موقع بعنوان البراق وهي مدوّنة فكرية وحضارية وسياسيّة، نجد دراسة للاستاذ على الصولي حول جمعية الأوقاف ودورها النص التالي:
..وإذا كانت جل عقود أحباس الفقراء تحتوي على عبارات عامة في كيفية صرفها للفقراء، فإن بعضها قد ضبط بعبارات دقيقة طريقة التصرف، وذلك مثل الأحباس الشهيرة لـ"عزيزة عثمانة" التي عينت مبلغا من المال يشترى به خبزا يقع توزيعه على الفقراء أيام شهر رمضان.
كما نجد أن حفيدتها لإبنها المسماة " فاطمة عثمانة " قد خصصت مبلغا ماليا لشراء الخبز للفقراء طيلة شهر رمضان أيضا، شريطة أن يقع توزيعه عليهم على باب ضريحها. كما خصصت أيضا مبلغا آخر لشراء "الزلابية "للفقراء" أيام المواسم والأعياد من كل عام.
هذه لمحة من دفاتر الأحباس بالبلاد التونسيّة وقد ورد في الفقرة الأخيرة ذكر لفاطمة عثمانة من أحفاد عزيزة عثمانة، وهي فاطمة بنت محمد بن عثمان بن الحاج حسين بن احمد بن محمد بن عثمان داي وزوجة حسين باي.توفيت سنة 1242 هـ

.

المآثر : عرفت بالجمال البديع والأخلاق العالية والعلم الوفير وكانت من المحسنات الجليلات ساعدت زوجها على أعباء الحكم، وقد شهرت أيضا بالكرم وعلوّ الهمّة والسياسة في جلب القلوب لها ولزوجها.

كما عرف التونسيون أم الأمراء : آمنة" :وتدعى منّانة بنت الأمير على باي بن حسين بن علي باني البيت الحسيني ، وهي أخت حمودة باشا وزوجة الباشا محمود باي وأم الباشا حسين ومصطفي باي. توفيت سنة 1238 هـ.