14 | 12 | 2019
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

صفارة الإنذار / صفية قم عبد الجليل

صفّارة الإنذار


بقلم

صفية قم عبد الجليل





لم ينهضا باكرا، صبيحة هذا اليوم، على غير عادتهما. لا شيء يزعج هنا: الطقس ممتع منعش والهدوء التّام مخيّم على المكان بأسره.

لا يُقيم في هذا الطّابق الثالث من مقرّ إقامتهما بشارع الدكتور فرنس، بمدينة " بايْرُوتْ " الألمانيّة غير باحثين أكادميين

في مختلف الاختصاصات ومن مختلف الأعمار ومن مختلف أنحاء العالم...

لا أحد يرى أحدا إلّا صدفة بالممرّ أو بالمطبخ المشترَك النّظيف المجهّز بكلّ ما يُحتاج إليه أو أمام المصعد؛

فتُتَبادل الابتسامات الحييّة والتحايا العابرة... هنا، لا وقتَ للثرثرة، لا وقتَ يُهْدَرُ أمام التلفاز الّذي يتصدّر الصالون، بل إنّي أكاد أجزم ألّا أحد فتحه، منذ حلولنا !

الكلّ ملازم غرفته النّظيفة الأنيقة المجهّزة بكلّ ما يراه الألمان ضروريّا، أو في مقرّ بحثه الّذي من أجله قَدِمَ
جهّزتْ لهما فطورا ملَكيّا يليق بهما بعد تعب سنة في العمل ومشاغل الحياة ومشاكلها المرهِقة

وجلسا إلى المائدة ينعمان بما لذّ وطاب في أريحيّة وراحة بال جاءا يطلبانه، هدنةً بعدها يعودان إلى وطن قَلِقٍ على جناح بعوضة

وإلى مراكز عمل اجتاحها طوفان فوضى أَرِقَةِ حتّى لا تكاد تستقرُّ على حال
قال وهو يترشّف أولى رشفات قهوته: " ما ألذّ القهوة اليوم ! من أين اشتريتها؟ ! "
ابتسمت مستغربة وقالت: " بل هي ذات القهوة الّتي لنا بالبيت وشربنا منها مرارا ! "
زمّ شفتيه غير مصدّق وترشّف رشفة أخرى، كمن يريدُ أن يتأكّد من صدق قولها وظلّ يختبر نكهتها على مهل !
أردفت ضاحكة ممازحة: "هي لذيذة جدّا لأنّي أنا الّتي أعددتُها ولستَ أنتَ كما جرت العادة !"
ابتسم مستنكرا، ثمّ استدرك: " ربّما... قد يكون ! "
استدركت بدورها لتُضيف: " بل لأنّك تشربها الآن على غير عجل، كما شأنك دوما؟ ! "

وانتهزت فرصة عتابه، لتقول: " كذا الحياة، يا حبيبي لا تعبأ بالمتعجّلين وتجود بأطيابها على مَنْ يحتسيها على مهل...

فلِمَ لا تُخفّف الوطء قليلا، فإنّ لنفسكَ عليك حقّا؟ ! لِمَ أنتَ دوما عَجِلٌ كأنّ الرّيح تحتك، ألا تدرك أنّ لي أنا أيضا حقّا عليك و...؟ ! "
لمْ تُتمَّ كلامها عندما انطلق بالغرفة صوت حادٌّ مزعج انتفضا له انتفاضة ارتعد لها الفنجانان واندلقا على المائدة.

صاحا في آن: " ما الّذي يحدث؟؟؟ " نظرا في كلّ الجهات الستّ والصوت يعلو ويحتدّ ولا أثر لمصدره !

لم يرتكبا أيّ مخالفة ! النّور الكهربائيّ مطفَأٌ ! الحنفيّات مغلقة ! الغرفة مرتّبة! السّاعة الحائطيّة تشير إلى تمام التّاسعة صباحا !

ماذا يحدث بغرفتهما، يا إلهي؟ ! فركت عينيها ثمّ صاحت به وهو جامد في مكانه: " لنغادر الغرفة ! لنهرب قبل أن


فتحا باب الغرفة على مصراعيه والهلع باد على وجهيهما وفي حركاتهما. ففوجئا بكلّ الغرف مفتوحة وقد لفظت أصحابها خارجها بالممرّ !

ازداد ارتباكهما وشخصت كلّ الأبصار تستجدي يقينا...
بأيّ لغة ستخاطب هذا الجمع وهي لا تعرف كلمة واحدة بالألمانيّة؟ ! استنجدت بزوجها. نظروا إليهما سائلين.

نطق أحدهم بلثغة انقليزيّة والرّعب يكسو وجهه الممتقع بما لم تفهم... " إلهي، ماذا يحدث لنا؟ ! " كلّهم يتساءلون ولا أحد يجيب !

كلّهم متسمّرون أمام غرفهم شعثا حفاةً، بل إنّ منهم من خرج شبه عارٍ ولا تزال أجفانهم منتفخة نعاسا...
صوت صفّارة الإنذار يعلو ويعلو ويحتدّ ويتلوّى كثعابين الجحيم فتزداد الوجوه امتقاعا والحركات اضطرابا والأفواه ارتعاشا

ويلتحم البعض بالبعض احتماءً ومؤازرةً وتصطكّ منهم الرُّكَبُ وتكاد تتهاوى... وصفّارة الإنذار تعوي حينا وتحاكي صوت سيّارة الإسعاف حينا

وسيّارة المطافئ آخرَ، ثمّ لا يلبثُ الصوت أن يتحوّل إلى أزيز يصكّ الآذان وترتعد له الجدران...

كلّ العيون شاخصة تتساءل عمّا يحدث بالطّابق الثالث ولعلّ بعضها يتّهم في سرّه غيره بتقصير أو خطإ مّا أدّى إلى اندلاع صفّارة الإنذار بلا انقطاع... تشجّعت سيّدة سمراء وهرولت إلى المطبخ المشترك تستجلي ما خطر ببالها من شكوك. لم تلبث غير قليل لتعود رافعة يديها أنّ كلّ شيء مرتّب في مكانه المألوف ولا شيء غير عاديّ أو يثير الانتباه !
لا أحد يدري كم ظلّوا على تلك الحالة من التردّد والضّياع والقلق والخوف... ولا أحد يدري من الّذي بادر بالنّزول إلى أسفل. كان باب النّجدة موصدا وبدا الممرّ طويلا طويلا ! تدافعوا غير مبالين بغرفهم المفتوحة ولا بما فيها من متاع... هرولت نحو المصعد الكهربائيّ تطلُبُ نزولا سريعا آمنا فجذبها زوجها بكلّ قواه وهو يصيح: " أترغبين في الانتحار؟ ! ووجدت نفسها تتبعهم نزولا على السلّم دون أن تفهم ما يحدث ! كان البعض يقفز الدّرج قفزا كأنّه هارب ممّن يلاحقه وكان البعض الآخر يتوخّى الحذر مخافة أن تزلّ به قدم... أمّا هي فقد مسكت بقميص زوجها وهي ترتجف هلعا حتّى كادت تقدُّه من دُبُرٍ؛ وكان هو يقفز كما يقفزون ويجرّها جرّا غير مبال بما قد يصيبه من ارتفاع ضغط أو

...
وصل الجميع تباعا إلى الرّدهة ولمّا ينقطع عواء الصفّارة أو يخفت ! لم يجدوا أحدا بالمكاتب الإداريّة ليسألوه عمّا حدث ويحدث !

أكلهم العجب ! " غريب ما يحدث هنا، أين اختفوا؟ ! " صاح بعضهم؛ وسرت العدوى بين الجميع فأضحى الكلّ يتساءل بمختلف اللّغات

والإشارات عن النّبإ العظيم الّذي هم فيه مختلفون... وعمّ الهرج المكانَ لِزُمَيْن، إذ تقدّمتْ سيّدة بدينة سمراء كادت تختنق

وفتحت الباب البلّوريّ الكبير المؤدّي إلى الحديقة المطلّة على الشّارع، وما أن تجاوزته

حتّى صرخت: " ها، الكلّ هنا في الشّارع؟ !... كلّهم في الشّارع؟ ! " واندفع كلّ من بالرّدهة إلى الخارج بأعناق مشرئبّة وعيون جاحظة

مستفسرة. ساروا بخطى حثيثة نحو جمع حاشد وصوت الصفّارة يلاحقهم حيثما اتّجهوا، وكانوا كلّما صوّبوا نحوهم تملّكتهم حيرة

وغرابة ! اقتربوا أكثر حتّى ما عاد يفصلهم عنهم غير أشبار: " ماذا يحدث؟ ! إنّهم يتحدّثون في دعة ! إنّهم يبتسمون ! إنّهم يضحكون، لا، بل يقهقهون ! ماذا يحدث؟؟؟ لماذا غادروا

مكاتبهم وغرفهم؟ ! لماذا انقطعوا عن أعمالهم؟ ! أيّ جنون أصابهم أو أصابنا؟ ! هل هم صمّ؟ ! ولكنّ الصفّارة لم ينقطع زعيقُها ! إنّها لا تزال تدوّي فتزلزل المكان

بأسره، يا للعجب ! تقدّموا أكثر حتّى اختلطوا بهم غير مصدّقين ما يرون بأعينهم ! التقت العيون الزّائغة الرّاجفة الواجمة بالعيون الهادئة الحالمة الباسمة

واحتمى الزّميل بظلّ زميله والصّديق بحضن صديقه وظلّ " الغرباء " أمثالنا على وجومهم ينظرون في بلاهة من يشهد

مسرحيّة فنتاستيكيّة هزليّة عصيّة اللّغة رديئة الإخراج

!
فجأة انقطعت صفّارة الإنذار عن الولولة فاشرأبّت أعناقنا متطلّعة إلى من ينقذنا من هذه البلبلة الغامضة. رأينا المحتشدين مستبشرين

يعودون إلى غاياتهم في هدوء وكأنّ شيئا لم يقع، وسمعنا مناديا بكلّ اللّغات يعلن انتهاء " التجربة test " بنجاح!!!
لم يدرك بعضُنا حدّ اللّحظة ما حدث ! ظلّوا يتساءلون وبصوت خفيض يحتجّون... تدارك أحدهم الأمر ليذكّر بأنّ إدارة

مركز إقامتنا قد علّقت الإعلان عن موعد تجريب مدى فعاليّة صفّارة الإنذار الجديدة في كلّ طابق وبالمصعد الكهربائيّ وبكلّ قاعات الاستقبال والمطبخ والمكاتب... !
ونحن نصعد الدّرج إلى غرفنا اعترضتنا المعلّقات مبثوثة هنا وهناك... إلّا أنّها كتبت باللّغة الألمانيّة الّتي لا يتكلّمها جلّ النزلاء

!!!



بَايْرُوتْ الألمانيّة، في 18 جويلية 2016