مقامة ثمن القمامة...هشام البوزيدي

Category: المقامة
Published on Wednesday, 15 February 2012 15:28
Written by منيرة الفهري
Hits: 2441
مقامة ثمن القمامة
بقلم هشام البوزيدي




حدثنا أبو النوادر السوسي قال:

لقيني في مراكش صعلوك, يبزك في الخصام ويعلوك, ذو مكر ودهاء, وفخر وزُهاء, و لسان مهماز, وكلب يدعى هزهاز. لمحته من قريب, في زيه الغريب, فإذا هو قصير أسمر, أشعث أغبر, فقلت في نفسي:
"ثوب رث, على رجل غث, لعله مخبول, أو مغرم متبول."

ولما حاذاني تأملني مليّا, وتبينت حاله جليّا, فإذا هو مفتول العضل, في صوته صهَل, وبيده كراع ينهسه, وعند كلبه عظم ينهشه, فجاءني وسلم, ثم تنحنح وتكلم, وقال:
"إني من أهل الفِراسة, ولو شئت لنلت الرئاسة, لكني آثرت الخمول, وتخففت من الحمول, فليس لي من دنياي, غير عقلي وعصاي, ورزقي على من يطعم الطير, ويقدر الشر والخير, ففيم ازدريتني إذ رأيتني, وحقَرتني وما عرفتني, أولم تساورك الظنون, فنسبتني للمس والجنون؟ ومابي غرام ولا هوى, فكل ما ترى بي من الطوى, وإن تشأ حدثتك وأطربتك, وأسعدتك وأغضبتك, وأبكيتك وأضحكتك, فأنا رحّال بن المحجوب, الفقير المجذوب."

ولما فرغ من كلامه, وقد أقبل الليل بظلامه, قلت:
"هلم إلى العشاء, واطلب ما تشاء."
فألقى الكراع فالتقطه الجرو, وكان هزيلا أغبر الفرو, وبادر رحّال الفرصة وتغنّم, وتبعني يشدو ويترنّم:

وطاوي ثلاث ضامر الكشح ممحل***بحمراء لم يشبع بها سائل فولا 
وذي نخوة فيه من الجود وفرة***يرى الجوع فيها من ذمامته غولا
دعاني رجاء الأجر واختص بالندى***كحال الفتى الطائي بل ساد بَهلولا


وإنما دعوته فرحا بلسانه الفصيح, ورأيته يتطلع إلى مطعم فسيح, فولجنا المكان سوية, ومشى مطرقا في روية, ولما جاء النادل سأله رحّال:

"أي شيء عندكم؟"

فأجابه كالسيل يتدفق, لا يحفل بسامعه ولا يترفق:

"عندنا لحم وخضار, وسمك ومحار, وأصناف الطواجن, بالضأن والدواجن, وكسكس وسميد, و"برغل" وعصيد, وجوز ولوز, ومشوي و"محشي", وشطائر "بورغر", ودجاج غِرغر, وجبن ولبن, و"مخللات" ومقبلات, وسلطات بالأعشاب البرية, وأخرى بالطحالب البحرية , والحساء في الطناجر, وكل ما يطيب في الحناجر, وطبق اليوم محشي الباذنجان, بالطماطم واللحم والأجبان, وأجود فواكه الموسم, والبوظة بالعسل والسمسم, وحلوى تنسيك البلوى, بالبندق والفستق, وخبز خمير وشاي وعصير, وقهوة ذات رغوة, وكل ما كان مأكولا, وماء معدني وشراب الكولا..."

فاختلج رحّال وتململ, وصوّت وولول, واحمر واصفر, وأشاح بوجهه وازورّ, فقلت:
"ما لك وأي شيء أصابك؟"

قال: "إني منذ ثلاث آكل من القمامة, حتى غدوت أخف من ثمامة, ثم جاء هذا الغلام الحسن الهندام, الفصيح اللسان, ذو الثنايا الحسان, فما زال يعدد أصول المآكل, ويفرع عليها المسائل, ويشقق لها الأسماء والألقاب, ويكشف عن مقاديرها النقاب, حتى تحيرت وتخيلت أني تخيرت فأكلت, فوالله ما أذكر مما قال شيئا إلا الباذنجان, ولا أرى إلا أن به مسا من الجان."

فقلت: "هون عليك, وما عليك إلا أن تأمره, ومهما اشتهيت اليوم من شيء تره."

فقال للنادل: "هات قصعة, تكفي تسعة, واملأها بتلك الأصناف حتى تغدو كالتلة, وهات من الخبز سلة, ومن الماء قِربة, ثم أسألك قُربة, إياك ثم إياك و الباذنجان, وحبذا من القهوة اليمنية فنجان"

فنظر إليه النادل وهمهم, وحرك رأسه وغمغم, ثم ولّى وتركنا, فطفقت أتعجب أي شيطان دعوت, وتمنيت أن يكفيني المال ورجوت, فرمقني في مكر تدور عيناه, واستند بخده على يمناه, وقال: لعلك تحسبني أبا عبيد, وإنما أنا أبو حُميد, آليت ألا أقوم حتى أشبع, وألا تقوم حتى تدفع, فأبرر يميني فإني لا أطيق الصوم ولا الإطعام, ولا تؤاكلني فإنه أكمل للأجر والإكرام. فعجبت لتفننه في الإقناع, وفي خبث طويته تحت القناع.

ثم أقبل النادل يجر عربة, ولاح لي جذلان يبدي طربه, جاء بقصعة تكفي الرهط, وتشبع الوهْط, فإذا فيها من كل حلو ومالح, وحار وبارد, عانق فيها السمك الدجاج, وسالت البوظة في مسالك ذات فجاج, وحفتها الخضار, يشيعها المحار, في وفد من فواكه البحر, ورشت من أعلاها باللوز والسكر, والجوز والزعتر, فما كان من رحال إلا أن وضعها على الأرض, وبدأ يصول ويجول, ويلتقم ويلتهم, ويضرس ويهرس, ويمضغ ويسرط, ويتجشأ ويظرط, حتى تمعر وجهي وهممت أن أقوم, وتخيلته جنيا يقضم الزقوم, فشد ثوبي وأمسكني فبقيت على مضض, وجلست على قضض, فمكث ساعة يفترس, ولا يلقي بالا للناس ولا يحترس, حتى بدا قعر القصعة أو كاد, وأمست كمثل ديار عاد, وقال: "ادفع الآن أيها الشهم", وقام يمشي كأنه السهم, ثم جاء النادل فطلب أربعمائة درهم, فراجعته وكان بيننا أخذ ورد, ولما استيقنت أن ليس من السداد بد, دفعت ما معي إلى آخر فلس, وخرجت كأني دابة بلا حِلس, فإذا رحال مستندا إلى عمود كهرباء, وقد غير هيئته كالحرباء, رأيته مع النادل يتضاحكان, بعد أن اقتسما الغنيمة ففهمت ما كان, لقد التهم الخبيث كل فُضلة في المطعم, إنه يأكل القمامة, أجل ما أصدق كلامه, لكنه كتمني أنه يقبض الثمن, فمن يدفع ثمن القمامة غيري, فمن؟

هشام البوزيدي

Download SocComments v1.3