19 | 11 | 2018
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

ما أطول ليْلك باريس/ صفية قم

ما أطول ليلك، باريس!!!

خربصات قصيرة، قبل البدء

بقلم

صفية قم



لم أنم ليلتها... سهرتُ طويلا أخاتل الصّداع وأتجاهله حينا وأصدّه وأتحدّاه أحيانا... حاولتُ النوم في ساعة متأخّرة، دون جدوى. حاولتُ مرارا وتكرارا بكلّ الوسائل والطرق المتاحة استدراج هذا النوم الذي أحتاجه فأبى واستكبر... أيقنتُ بهزيمتي وبأنّ النوم والصّداع لا يجتمعان البتّة وأن ليس لي إلّا أن أستكين للظلمة عساها تخفّف عنّي بعض ما بي...أغمضتُ جفوني واستسلمتُ لقدري... عملتُ على أن أنسى كلّ شيء ، كلّ الأحداث، كلّ النّاس ، كلّ ما يزعجني أو يحيّرني أو يؤلمني... اجتهدتُ في أن أخلق لي حالة من البياض، من الصّفاء، من الفراغ الهائل؛ لكنّ ذاكرتي الملعونة، رغم ما بها من ثقوب هائلة كثيرا ما تسبّبت لي في إحراج النسيان، نسيان ما لا يُنسى عادة أبت إلّا أن تستيقظ كأحسن ما تكون اليقظة!!!

انهالت عليّ الذكريات تقرع رأسي المكدودة قرعا مبرّحا وتهاطلت الصور والمواقف قِرَبا وتعالت الأصوات من هنا وهناك، تمتزج آنا وتتنافر آنا... أعياني الضغط على رأسي ومللتُ التقلّب في الفراش الدّافئ فما ازددتُ غير أرق على أرق... يحضرني قصيد أبي الطيّب المتنبّي وتلك السنوات الخوالي في التدريس، ويأتلق بهاء الشّعر ورونقه، وتومض تجلّيات الرّوح وقد طبعتها تلك الأشعار العذبة المعتّقة، فأجد نفسي أستذكر بعضها وأتأمّل بعضها من جديد فأجد لها حلاوة لم أعهدها في ما مضى من عهد الدراسة والتدريس...

تخبّ بي راحلتي إلى تونس وأعبائها ودروبها الوعرة وعثرات شعبها وحكّامها فيبدو لي المصير هولاميّا ولا علامة تنبئ بانفراج حقيقيّ... أُبعد عن نفسي وساوس الشؤم والتّشاؤم وأظلّ أنتظر الفرج ككلّ من لا حول له ولا قدرة... لا يطول بي الانتظار طويلا وتتزاحم في دماغي شتّى الرّؤى والصور والأطياف والأشباح، فأتجمّل بالصبر وأنا أرقب طلوع الفجر من نافذة الغرفة المطلّة على الشارع... هنا لا ديك يصيح ولا آذان يحمل إليك تباشير الخلاص!!! دسّي رأسك في الوسادة وانتظري، انتظري، إنّ غدا لناظره قريب... بل لمَ الانتظار؟ لمَ لا تنهضين وتنظرين في ساعتك أو هاتفك أو إلى الشارع الهادئ المضيء؟

الشارع ساكن إلّا من زخّات رذاذ رقيق يتلوّى على أضواء الفوانيس الخافتة، أو مرور بعض السيّارات بين الفينة والأخرى... مشهد السّكون يبعث فيك الرّغبة في التأمّل: تأمّل ذاتك وخوالجها وكلّ ما ومن يحيط بك!!! هذا السّكون يدمّر في نفسي كلّ بقايا السّكينة التي أتدثّر بها من برد العواطف وتقلّبات الأمزجة وصمت الأحبّة المجانيّ... يثور في نفسي بركان من الأسئلة الصّاخبة المتضاربة القاتلة، ولا ينطفئ أوارها إلّا مع أولى خيوط الفجر التي تبعث في نفسي بعض الأمل في الخلاص من عناكب هذا الليل الطويل المترامية شباكه حول عنقي حتّى لتنقطع منّي الأنفاس وأنا أتجرّع كأس ذكريات حبيبة إلى نفسي، آلت فجأة إلى سديم مجهول لا يُدرَك له منتهى... أأُبرّئ نفسي من خبلها وجنونها وأُلقي بكلّ العبء الثقيل على ظهور الآخرين أم أتّهم نفسي بسوء التقدير وسرعة التجنّي؟؟؟

تباشير صبح باريس تعلن السّاعةَ السّابعة والرّبع، أهبّ إلى الصّلاة، أتفيّأ ظلال الرحمان راجية بعض طمأنينة الجمال حتّى يستقيم لي الدّربُ بل الدّغلُ... أبتهل إلى الله والكلّ نيام، يا لسكينة القلوب الغضّة!!! أستمرّ في الدّعاء وتلاوة ما تيسّر ولا أستفيق إلّا على خطو الطفلين فارس وزكريا وقد غادرا الفراش فرحين مستبشرين معلنين للمرّة الألف:" سنذهب اليوم إلى السكي، مامي " أرى فيهما نفسي وإختي، أطفالا نبيت نحلم بيوم العيد لنرتدي ما تيسّر من ثياب جديدة حاكت أمّي بعضها بأناملها وسهرت من أجلنا الليالي الطويلة الباردة...أقبّلهما داعية لهما بتمام الفرح والرّضى ودوام نقاء الطّفولة وبراءتها... يفتحان التلفزيون ويغرقان في مشاهدة الصور المتحرّكة، في انتظار أن يستيقظ الأبوان للانطلاق في رحلة سنويّة باتا يحلمان بها منذ أشهر!!!

 

 

 باريس، في 17 جانفي 2015