11 | 12 | 2019
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

صرخة الروح و الجسد..زهور العربي..قراءة نقدية للأديب العراقي وجدان عبد العزيز


الشّاعرة زهور العربي


تقود ثورة جمالية في قصيدة

(صرخة الروح و الجسد)

بقلم الناقد العراقي

الأستاذ وجدان عبد العزيز






ذات ليلة ، كانت انفعالات الحروف تتصاعد وهجا وصرخات تلتم في نقطة ما ، وسرعان ما تتبعثر في تشظيات الأعماق ، وهي ترسم ألام النفور عند ملتقى (صرخة الروح والجسد) تلك القصيدة التي حملت أوجاعا بصمتها الشاعرة زهور العربي بعد عنائها الرحيل (إلى منتهى الأحاسيس / إلى آماد الحيرة) في صراع محتدم بين الكينونة الإنسانية التي تحملها الشاعرة والباحثة فيها عن ملاذات الخلاص ، ليس لذاتها فقط ، إنما لكل الإنسانية ، لتكون الشاعرة زهور العربي وشعرها سمو من الواقع المر الى خيال خصب ، لتقديم صورة ترقى إلى الأخذ بيد الأماني نحو التقرب من الحقيقة محاولة منها لتجاوز المعاناة والتحليق بالقرب من نسائم الانعتاق ، وبهذا يكون (الشعر إذن استجابة نابعة من انفعال عاطفي وتفكير عقلي وبدون هذين الاثنين لايكون لدينا شعر ، إضافة إلى ذلك ينبغي ان تكون استجابة القارئ مبنية على إحساسات الشاعر وشعوره وليس على الحقائق المجردة والمعطيات الموضوعية) ص21 النقد التطبيقي التحليلي ، هذا الصراع ونتائجه المفترضة تكورت في قصيدة(صرخة الروح والجسد) ابتداءا من العنونة التي جمعت بين متطلبات الجسد المتناقضة أحيانا كثيرة مع متطلبات الروح ، لخلق فكرة جمالية عن حالة التوازن ، فــ(الفكرة الجمالية ، هي محاولة ناجحة على قدر الإمكان في عرض الفكرة العقلانية ، انها موهبة العبقري في توليد الأفكار الجمالية ، وان صيغة التعبير خاضعة لحكم الذوق)* ، فالشاعرة العربي عاشت خليطا من الوعي واللاوعي في قصيدتها .. 


تقول :


(دعوني احلّق بعيدا 

أجنحتي عطشى لنسائم

الإنعتاق

تريد مسابقة شبح

الريّح

لا يهم إن كسّر الإعصار أشرعة

الرّوح

إن بعثر أشلائي

إن هدّم بقسوة قفص الأمان

في أعماقي

إن هجّرني إلى مرافئ جدباء

سمادها يقتل أوراقي


فمن الفكرة الجمالية التي تعصف بأفكارها ، تحاول العربي الانعتاق وترك ذلك الإعصار الذي هدّم حالة الأمان وجعل قلقها يتصاعد متمثلا بقولها :


(أريد الرّحيل إلى منتهى الأحاسيس

إلى آماد الحيرة

إلى آفاق التّعب

إلى أوطان الشّك هناك على قمّة الألم

اشتهي الاغتسال بدموع الوجع

الحرّى

المثقلة بملح محيطات الوجدان)


وهنا عند عتبة تحليل هذه العبارات تتوضح صورة الوعي لديها في مسألة التحدي ومحاولة إيجاد دالة التوازن بين المتضادات من متطلبات الروح ومتطلبات الجسد بقصد الوصول الى هيمنة الفكرة الجمالية التي أجلتها بوضوح من خلال قولها :


(اشتهي أن أتدثر بوشاح

التّحدّي

اركب حروف الرّفض

اسكن بلاد الضّاد المتحرّرة

من حدود الأوراق

من نير الرّقيب

ومن مقصّات ادمنت عادتها السّريّة)



وهنا توضح مفهوم (الفعل الدال)** حسب طروحات (ايستهوب) وإسقاط الضوء على هيمنة متطلبات الروح في رؤية الشاعرة العربي بدليل قولها: (لاتحجبوا عني وجه الرب) ، وتقصد الفيوضات النورانية والرحمة الآلهية المتواصلة ، أي بالخضوع للفلسفة الإسلامية : إن أفعال الله سبحانه وتعالى أصلها الخير والجمال ، أما الشر والقبح ، فهي أفعال عارضة ناتجة عن النفوس التي تبقى تحمل أدران الحياة وتحتاج كما هي رؤية الشاعرة ان تتوضأ بماء القمر ، أي ان تكون دوما بموضوع السمو والصمود إلى ماهو أجمل .. حتى تصل باحتجاجات وانفعالات قوية لطرح فكرة الوجود المتحرك القابل للتغيير بفعل الأفكار الجمالية الفطرية في دواخل الإنسان ..


تقول :



(دعوني أتوضّأ بماء القمر

واستر عوراتي بهذا الأفق الممتدّ

اتهجّد في محراب الغروب

اتعبّد ...بكلّ لغات البوح

واتلو آيات ليست كالآيات

لا تحجبوا عنّي وجه الرّب)

ثم انها تنفعل بقولها :

 

(سئمتكم يا بقايا النّكسات

سئمتكم

أريد أن أغير ملامح الوجود

سأعدمكم

أمحو تاريخا كتبته أناملكم

أغير طرقات الخنوع على خرائطكم

وأكسّر صولجان سطوتكم العاجزة

لن يحمل الوجود ملامحا تقرّح وجه

الشّمس)



هذه الثورة ذات الانبثاقات الجمالية التي تقودها الشاعرة العربي في قصيدتها (صرخة الروح والجسد) تأخذ من ناصية الشعر انطلاقا لها كون الكلمة (أنثى) كما عبرت عنها الشاعرة العراقية رسمية محيبس بمعنى تحمل هذه الكلمة ما تحمله الأنثى من جماليات ومن أحاسيس لاتقبل أي قبح يحاول اجتياح مساحات الحياة .. لذا تحاول غلق نافذة الواقع المر وتفتح نافذة أحلامها المحلقة في أجواء الاختيار .. تقول : (واقعنا المهزوم / أفك أزراره .. اخلعه / افتح قميص أحلامي) ، بشرط التخلص من ساعتي اليدوية ، أي أنها تقدم الزمن بانطلاق نحو أفق الروح والسماء .. الحقيقة هنا دعوة للحرية المقدسة التي لاتتلاعب بها الأيدي حسب الأهواء والرغبات للإفراد او الجماعات ، إنما حسب ما تعطيه من جمال يزيد الحياة بنفحات السعادة والاستقرار ..


حيث تقول :



(ها أنا تلك الصّبيّة بجدائلي العذراء

...فراشة ذهبيّة أطير من هنا

أحطّ هنا ...

وهناك ... في خدر الأفق

أمارس طقوس الحبّ

واغنّي لحن السّكون العذب ...

استسلم لأنامل الهوى ...

كليلكة جذلى

أتجمّل بالخجل البدويّ

تسكرني خمرة صبّار شامخ

عصيّ الدّمع)



كل هذا كي تعيش طقوس الحب .. والحب في الشعر رمز الجمال بدليل انها تتمنى ان تكون (كليلكة جذلى) وهذه الليلكة لاتعرف غير الجمال ، أي هكذا خُلقت في صورة تحيل الى ان الزهرة ، حينما تتفتح لاتحتاج إلى أمر من احد سوى أنها تعطي بتفتحها جمال لاينطوي على زمن معين تعكسه الساعة اليدوية ، إنما جمال مستقر .. ان الوجه الآخر (لحكم الذائقة هو "مشروطيته" وهذه نسميها الضرورة "ان الجميل مثلما نظنه ، ينطوي على صلة ضرورية بالإشباع" . وليست هذه الضرورة قطعية ، لانه ما من احد اصدر حكم ذائقة بمقدوره ضمان إجماع موافقة الآخرين عليه ) وهكذا الشاعرة زهور العربي تقود ثورتها الجمالية عبر مسار شعري اخذ من الوعي الكثير ، لتبقى مشروعا للدراسة والبحث ..



مصادر البحث :



كتاب (النقد التطبيقي التحليلي) د.عدنان خالد عبد الله ـ


دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد ط1 لسنة 1986م ص21


كتاب (علم الجمال عند الفيلسوف كانت) د.دوغلاس بنهام وآخرون ت.احمد خال


ص الشعلان ـ دار الشؤون الثقافية العامة ط1 2009م ص 53 ـ120 ـ121


كتاب (النقد الثقافي) عبد الله الغذامي ـ المركز الثقافي العربي ص14



الاستاذ الشّاعر والنّاقد العراقي وجدان عبد العزيز