13 | 12 | 2019
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

شهداء الماء * عاشور

شهداء الماء

عاشور

بقلم

بسباس عبد الرزاق

 

تغط في فقر عميق، تلك القرية النائمة بين الصنوبر، تتكئ لوسادة الأشجار التي صممت في لوحة مربعة ، تحضنها الوديان الثلاثة الغارقة في البخل، و حين تفيض بالجود تصب جام بكائها على المنازل، فتفيض المنازل بالطين و الحسرة.
لأن الماء إحدى مسلمات البقاء، كنا ننخر التراب، نفتش عن غيمة سقطت ذات شتاء.

-الآن فقط. يا بني لن تذلك النظرات، لن تتوسل الماء.

سقطت الكلمات باردة، تزحف و تنهش صدره، زجاج هي كلمات الحزن، تنكسر مباشرة بعد السقوط، تجرحك قبل أن تتكور بداخلك، و الحزن مرض ربو مزمن، و الألم إفرازات جهاز المناعة ضد الفرح.

-هذا البئر ممتلئ بالماء، و لن نستجدي الطريق بعد الآن.

كنت أعتقد أن البئر كان يبكيها، ربما لأنه ابن ديتها، أحيانا تمنحك الحياة فرصة للتنفس في رئة الموت، هكذا كنا نستنشق رائحة الكفن، على مر الأيام كنا نحدق بحقد نحوه، ألم يختطف واحدة من العائلة ذاك الطريق، هو الآخر ينظر إلينا بصمت غير عابئ بنا، ربما هو يحضر لوليمة أخرى، ينظر إلينا بدون اهتمام بنا لأننا لم نعد نهمه.

-آه يا ابنتي، من ديتك اشْترِينَا قطعة الأرض و حفرنا البِئر.

سقطت الدموع فزعة من عينيها، تماما مثلما الحمام عندما يفر إثر صوت بندقية، الدموع هي جزء صغير من الحزن، لذلك هي شظايا زجاج حادة، الرجل يخزن الدموع بعيدا عن عينيه، فلا يبكي كي لا يجرح عينيه. و لأن الكبار يخافون أن يبدو ضعافا أمام الأطفال يبتلعون الحزن، لا يستطيعون هضمه، ، يمكث في الرئة مثل السجائر، مع الوقت يتسلق نحو الرأس، فيصاب الرجل بسرطان اليأس.

الأطفال يمتهنون البراءة و الشغب، يلعبون ألعابهم الخاصة، يشكلون قوانينها بما يناسب أحجامهم و أحلامهم، حتى الحلويات كنا نلعب بها، كنا نضع قطعة خشب فوق حجر بزاوية مائلة، ثم نقوم برمي الحلوى على تلك الخشبة، فتتناثر الحلوى مثل النجوم و تتخذ من الأرض موقعا لها، هكذا كنا نتصور، الأطفال شعراء بالفكرة، و يكون نصيب من تلامس حبة حلوته الحبات الأخرى الربح، ثم نتقاسم الحلوى و نأكلها بترابها، عادلون هم الأطفال حتى تبتر الحقيقة من جماجمهم النحيفة.

بتلك الضآلة نلبس أحلاما تفوقنا طولا و حجما، و لم نعرف أن أحلامنا تتقلص ضد أحجامنا و أعمارنا حتى خدعنا في أول منعطف للواقع، فيزياء البشر تؤكد تقلص الأمنيات سواء سلطت عليها صقيع البأس أو جمر الأحزان،الآن أعرف أن كل خيوط البياض في رأسي تساوي عدد الأحلام التي نتخلى عنها خيبة بعد خيبة، حتى يصبح الحلم مجرد قصة أسطورية كنا ننام تحت وقع سردها من والدتي، يوم كانت تسرد على مسامعي قصص الغول و حديدوان و أبو ذياب الهلالي و جازية، و استبدلناها بأفلام الموتى الذين يمشون، و نهاية العالم.

دخلت البيت بعد ألعاب كثيرة مصممة من تقاليد الأطفال، للأطفال تقاليد و طقوس يعتنقونها منذ ولادتهم، و لكن الحياة لا تمنحهم وقتا طويلا حين يرشدون حتى تسلبهم مبادئ البراءة و الفرح.

-وين راح خوك **أين هو أخوك**
-إنه يلعب.
-حذاري أن يذهب نحو الطريق.
-لا إنه هنا أمام البيت.

الأطفال و ألعابهم هي جرعة أكسجين ضئيلة للكبار حتى يستطيعون مواجهة الموت اختناقا، حتى مشاغباتهم تشكل براعم أمل تنمو في أحشائهم.

في الجزائر نسمي الأطفال عصافير الجنة، إنهم نسمة نزلت في رحم النساء.

عاشور كان أحد تلك العصافير، يمارس التغريد في جيب أبي، و يتمسك بثوب أمي كأنها شجرة بلوط، كان يستطيع معي إحداث زوبعة في سقف البيت، والدينا كانا يتوسلان بعينيهما أن نضاعف العبث و الطيش، فكنت أختبئ في زاوية خلف الباب بالليل لأخيف أمي، فتدعو علي و لي:

-ربي يعطيك لهنا** ربي يعطيك الهناء**

كنا نظن الليل فرصة للتخطيط ليوم آخر من اللعب، فنبيت على أهبة الاستعداد للتغريد و الطيران. أذكر أنني كثيرا ما أضحكت والدي بصوتي و أنا أردد أغنية الطائر الصغير بصوت غليظ:

الطائر الصغير مسكنه في العش*** و أمه تطير تأتي له بالقش

سطر واحد أردده و أستسلم للضحك مقلدا والدي بضحتكه الغريبة التي تمزج الحزن و الفرح .

و كثيرا ما كنا أبناء الحي نتشكل في سرب كالطير و ننشد للشمس و الغروب:

هيا نلعب قبل المغرب
في أشكال مثل الكوكب
هزوا الأيدي يا أولاد
و اجروا فورا نحو الواد
دوروا دوروا كالغضروف
ثم انضموا مثل الصوف ...

و لكن أحيانا لا يستطيع ريش العصافير حملها بعيدا، فتسقط حتى تؤكد بديهية الجاذبية، قال لي أحدهم ذات درس في الفيزياء، ألم يكن أجدى بنيوتن أكل التفاحة و الصمت، فإن كان جائعا أعطيناه بستان تفاح و كفانا شر الجاذبية، يا أخي أرهقنا نيوتن بخرافاته.

البراءة لا تستطيع التحليق بالزغب، تحتاج لمحرك ميكانيكي متبجح.

كنت أشاهد رسومي المفضلة سينان، باللونين العتيقين، ففي تلك الأيام كانت الدنيا بلونين فقط، الفرح و الحزن، حين فاجئتني أمي بصراخ لم أستوعب سببه:

-ياسين أسرع تعالى.
-ماذا هناك؟
-أخوك....

خرجت من الغرفة لأرى سقوطا لعاشور فريشُه لم يسعفه هذا اليوم، حرارة سنين الجمر أحرقته.

كان يحمله رجل بين يديه و هو نائم، هكذا تخيلته لحظتها.

رأسه تقطر منه قطرات الماء الذي نموت من أجله، عوض أن يمنحنا الحياة.

عاشور عصفور لم يستطع ريشه أن يقف في وجه الجاذبية، فسقط في ثقب الماء، هناك أين انتشله أحد الرجال من البئر.

نظرت إلى الطريق جيدا، و كان يردد:

-أقسم إنني برئ.