26 | 05 | 2019
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

حمّام خارج / داخل الربيع العربي / راضية الشهايبي

حمام خارج/ داخل الربيع العربي


راضية الشهايبي

اختيار

نجاة البكري

ما أروع التجوال في حمّام الحياة....استمتعت بهذا النصّ الذي جعلني أعود لذكرى الحمّام بمعية والدتي وخالتي "زينة الحارزة"، فكأن في الحمام نتخلص الكل من السياسة رغم ما تنقله مشاهداته من واقع يعكس ارهاصاتها .

نجاة البكري

حمّام خارج/ داخل الربيع العربيّ



 صوت صراخ الأطفال ودقّ الدربوكة وعبق البخور الممزوج برائحة الحمّام المميّزة كل هذا الاحتفاء يستقبلني وأنا مازلت لم أقطع الطريق لأصل إلى ولوج الباب  

 وأنا اتعدّاه التمس مني شاب يحمل طبقا أن أُلفت انتباه أفراد عائلة فلان أن - الكسكروتات - وصلَتْ ، وصلتُ السقيفةَ  وقد طالها بخار المياه الحارّة فصارت الرؤية ضبابيّة والهواء نديّ وكل المقاعد العتيقة الزخرف محتجزة من طرف  البنات كنّ كمثل فرقة غنائية رائعة الانسجام وهنّ يردّدن أغنية شعبية جدّا من زمن لم تتح لي فرصة سماعها - هو والّا لا والاّ الدنيا نفركشها- وابتسمت لما لاح لي من عمق رمزيّة هذه الكلمات على بساطتها إذ يمكن أن يتغنى بها المواطن الوطنيّ ليقصد بكلمة هو والا لا الوطن وقد يقصد المعارضون والحاكمون الكرسيّ معبود السيّاسيّين وتأففت في سرّي من لعنة السياسة التي تلاحقني حتى هنا في الحمّام وأنا التي أتيته بعد سنين طويلة ولي فيه وفي طقوسه ذكريات مع أمي حين كانت تأتي بي صغيرة وتغسل لي وحين كنت آتي بها وهي طفلة صغيرة - مصابة بالأزهايمر- وأغسل لها

 تجاوزت السقيفة إلى البهو ،  فملأ أنفاسي عبق الطْفَل المبلل بماء الورد وروائح  أنواع الغسول وسحر  البخور

عالم خرافيّ أدخلني في غيبوبة لذيذة جعلتني اقتاد إلى الداخل الغارق في البخار والماء

-هات البشكير يا عويشة  ...صوت امرأة  قليلا فقط تمدّ رأسها من وراء بوّابة البهو من داخل الحمّام 

-صحة يا ألاّ السيدة ان شاء الله حمّام الحج  هكذا استقبلت صاحبة الحمّام إحدى المغتسلات الخارجة لتوّها

- ما شاء الله يا حليمة بنتك صارت صبيّة

 - هيّا إيجا اخطب للعازب تردّ حليمة

-تي وينو القبقاب بربي يا عويشة؟ / -فمّة قازوز؟ / - هيّا إيجا يا منال المطهرة فرغت / -وقتاش حنّة عروستكم يا ألّا فاطمة ؟ / يا جميلة وينك ها المدّة؟

-ظاهر فيه معبّي برشة اليوم؟  قلتُ لامرأة تدخل معي في نفس الوقت

 تُجيبني: سمعت أنو فيه خمسة عرايس اليوم

 وأردّ :لوكان في بالي ما نجيش اليوم

- بالعكس أنا جيت بالذمّة للجوّ

قالت ذلك وانضمّت إلى إحدى المجموعات المرافقات لإحدى العرائس وانطلقت تغنّي وكأنها مدعوّة خصّيصا لذلك  

كانت الأصوات تعلو وتنخفض بحسب صوت الدربوكة وأصوات المنشدات  وقد تداخلت بأكثر من أغنية  يا أمّا الأسمر دوني ماكم تقولو علاش الأسمر دوني -  وعلاش علاش تعاديني يا الأسمر يا ممّو عيني - كحلة الأهذاب الليلة يا كحلة الأهذاب

 كدت أتجاوز بوّابة البخار حين تقاطعتُ مع إمرأة التفت بمنشفة وبيدها سطل وضعته على عبتة حوض حنفيّة ماء الشراب وانطلقت ترقص... توقفت قليلا أتابع رقصها اللافت وعويشة الحارزة  تخاطبها مازحة  يا سالمة ردّ بالك البشكير يطيح ...ابتسمت ودفعت الباب الثقيل وغصت في البخار

مرّت لحظات حتّى قدرتُ أن أتبيّن المشهد المنسكب على فضاء الحمّام الداخلي أصوات اخرى وخطابات أخرى تختلف على ما استمعت إليه في البهو: أطفال يبكون بل يصرخون تحت تهاطل المياه على أجسادهم  نساء مستلقيات على الدكّة المقابلة لصفّ المَطاهر- غرف صغيرة فردية للاغتسال- يدلكن أجسادهن بخليط الطفْل وعود القنفل والخزامى / نساء يمنعن أقدامهن في أسطل الماء الحارّ نساء يزلن الحنّاء من على شعورهنّ   -نساء غاضبات على عويشة وقد أخرت دورهنّ في الاغتسال وهي تتباهي أمام زميلتها محبوبة وتقول بخبث لذيذ : تي فكّوا عليّ شويّة اغسلوا عند محبوبة ثم تبتسم ابتسامة ماكرة / شبيها محبوبة ؟ ماهياش ياهية؟

 فتيات  مرافقات لإحدى العرائس يوزّعن السواك واللوبان الملفوف في ورق الأليمينيوم على الجميع

ومن حين لآخر تعلو أصوات الزغاريد كلما بدأت جماعة في طقوس الاغتسال لعروسها 

-ربي يقوّي سعدك بنيّتي / هيا ربي يهنّيها / ان شاء الله حمّام النفاس/ محلاها تبارك الله عليها ...../ بنت شكون زعمة العروسة هاذيكا ؟ ,,, والعروسة الأخرى بنت شكون؟ وهاذيكا مش بنت فلان؟

مسكينة هاذيكا باش تمشي صباح العرس لفرانسا وهي فرد كعببة عند أمها :

-  مسكينة؟ ماشية لفرانسا ومسكينة؟ يا ليتني مسكينة كيفها  تي منّعها ربيّ

-لا وخيتي أنا خلاف تونس ما نعطيش بنتي

 وتعود الزغاريد وتعلو ويعلو الصوت:

- يا عويشة ...عويشة ...هيا جيب بشاكر عروسة دار فلان وقلّهم يحطوا البخور ويفرشو الزربيّة...

.التفت أين تنظر بعض الفتيات وهنّ يتغامزن وشككت للحظة أني في معبد فرعونيّ كانت المرأة شاحبة نحيلة ملفوفة تماما في لفّة رمادية بنيّة ممدّدة ما بين حارزتين بدينتين وقد وضعت كل واحدة قدمها على جانب المرأة وضغطتا بكل قوتّهما وبيدهما تجذبان طرفيّ اللفّة وهي صامتة مغمضة العينية كأنها غائبة عن الوعي أو ميّة تستعذب موتها بأنات خافتة والحارزتان تتمتمان وكل وهلة تغيران قدم بأخرى وتواصلان الضغط والجذب كأنهما تقومان بطقوس التحنيط ,لأول مرّة أرى هذا المشهد لذلك سألت إحدى المغتسلات فوضحت لي أنها نافس وقد أنجبت توام وضروريّ أنها تكبس عظامها راهي اللي تولد عظامها الكلّ تتحلّ

 راقني المشهد وأسفت أنّي أنجبت ثلاث مرّات ولم أحظى بحصّة التحنيط هذه

 جلست على الدكّة وضعت قدميّ في سطل الماء واسندت ظهري إلى الحائط الساخن أتلذّذ هذا الارتخاء المحبّذ ,,,أحسست  باغتراب ساحر عن الواقع الخارجي وهمومه وأخباره  وسياسته الله ما  ألذّ الغوص في البخار/ في الماء/ في الجسد /في الماضي/ في الذاكرة/..ما.أعذب الضياع عن الربيع العَـرَ------ لم أكمل آخرمناجاتي لنفسي حتّى  رأيت النساء يخرجن مهرولات إلى البهو تكاثر عددهنّ فتبعت السرب لأستطلع الأمر وإذا بالبهو مكتظ عاريات ولابسات وقد توقفت أصوات الدربوكة وأصوات المنشدات والزغاريد  وكل الرقاب مشرئبة إلى أعلى حيث جهاز التلفاز  فقط عويشة تقول لصاحبة الحمّام زيد في الصوت يا حاجّة.... لحظات وأطلّ السيد  رئيس الحكومة في كلمته للشعب التونسي/ لحظات وعاد صوت عويشة يلعلع هيّا دور شكون توّا في الغسيل هيّا ما تضيّعوليش وقتي