25 | 09 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

ذكرياتي مع القادرية/ حاتم سعيد أبو هادي

ذكرياتي مع القادرية

حاتم سعيد أبو هادي


أتذكر عندما كنت شابا يدرس في المرحلة الثانويّة، كان يوجد قريبا من منزلنا ومن وسط البلدة، محل صغير مقبّب السّقف يشبه إلى حد بعيد تلك الغرفة الوحيدة الباقية في منزل العائلة من بناء الأجداد . كان المحل يعرف بمقر فرقة القادريّة للتراث بالماتلين ويعرف اليوم بمكتب العمدة، وكنت كثيرا ما أتوقف بقربه لأستمع إلى المدائح الصوفية والإيقاعات المنبعثة من داخله وقد شدّني صوت الدفوف أكثر من الكلمات التي يتم ترديدها، كانت الأصوات تارة منفردة وطورا بشكل جماعي تعيد نفس المقطع بشكل حماسي لا أتبين منه غير ذكر الله أو الصلاة على محمد وآله وصحابته الطيبين، وكنت أخاف من الاقتراب أكثر أو السّماح لنفسي بولوج المكان ومعرفة من كان فيه.
ذات يوم أدركني ابن عم لي على تلك الحال وقد فهم ما كان يدور في رأسي ودون مقدمات شدّني من ذراعي قائلا:

  • هيا إلى الداخل، هل ستبقى طويلا هنا؟


أجبته لا شعوريا :"

  • ولكن، أنا لست بارعا في ضرب البندير ولا حتى الدربوكة.


ضحك ابن عمّي ملئ شفتيه وقال:"

  • لا تهتم يا ابن العم، أترك هذا علينا، فإنك منذ اليوم ستدخل مدرسة القادريّة لتتعلم.


دخلت ذلك المقرّ، فكان بسيطا بما احتوى عليه من أثاث، مجرّد حصر مفروشة على بلاطه وبعض الجلود، أما جدرانه، فكانت الدفوف موزّعة عليها بشكل مرتّب متناسق وكأنها تدعوني إلى حملها على الفور، وما شد انتباهي أكثر هو تلك السبّورة الخضراء التي كتب عليها بالطباشير (مدحة) بعنوان

"سلطانة الكلام"، تقول أبياتها.


لا اله إلا الله سلطانة الكلام
ذكرها متولي وامهيض غرامي
في لساني نذكر دائم على الدوام
حبها محمد بها يبلغ مرامي
الفجر عالي يشعشع والصبح والصيام
والظهر كيف توسط بإذن الإله داني
العصر لا يعصرها أمة جميع الإسلام
المغرب إذا قرب حضب وكون هاني
العشاء مستاسع علي حاله مضام
فيه ملائكة تكتب بالأجر والمعاني

.
كان مجرّد قراءة هذه الأبيات مبعثا على الاعتزاز والإحساس بالفخر بالانتماء لأمة الإسلام خاصّة وهي تعدّد الصلوات المكتوبة وتحض على التمسك بها، لقد التصقت تلك الأبيات بجوارحي كأنما أصبحت جزء لا يتجزأ من كياني التصاقا لا يقدر على فكها أمهر الأطباء، كلمات تطيب النفس بذكرها ولا تمل من تكرارها، ممّا جعلني أطلب من ابن عمي أن أكون أحد التلاميذ في صفوف هذه الفرقة.
لم يطل انتظاري، فكأن القدر كان قد رتّب لي أسرع موعد مع رئيس الفرقة وشيخها، بل وجعلني من أول أسبوع أحد أفراد الفرقة وحامل سنجقها في الأفراح والمناسبات، والسنجق هو عبارة عن علم يكتب عليه اسم شيخ الطريقة وفي حالة القادريّة يكون لونه أخضر مزيّنة حواشيه بألوان مشعة، ذهبيّة وفضيّة.
في كل عطلة مدرسيّة كان يتوافد على ذلك المحل عدد كبير من التلاميذ الصغار الذين يقوم رئيس الفرقة بتعليمهم على الحفظ والأداء، بينما يتكفل الشّيخ بتعليمهم فنون الإيقاع صحبة عدد من الصنائعية، وكان شيخ الحضرة يختار في كل مرة فوجا من المجموعة ليعلمه فنون الرقص والهيللة، وهي كلمة تطلق على كل ذكر لله (ك الله حي الله)، (الله الله....)، (هو هو...)،(لا إله إلا الله)، ومن صور هذا الذكر أن نزيد ياءً في (لا إله إلا الله) بعد همزة لا إله أو زيادة ألف بعد الهاء في كلمـــة (إله) فتصبح (لا إيلاها) وأيضا زيادة ياء بعد همزة (إلا) فتصبح (إيلا الله) ويمد الألف زيادة على قدر الحاجة، وكان شيخ الحضرة يعلّمنا التصفيق بالأيدي كأنما نضرب على الدفوف وتبديل الحركات عند الإشارات المتفق عليها إيذانا بتبدل الإيقاع من الثقيل إلى التثليثة ثم إلى الخفيف حسب التسمية المحليّة لأركان (المشاف) الذي كان عبارة عن مجموعة من المدائح المترابطة التي تلهب الشيوخ و الشباب عند سماعها فيتراقصون في صف مترابط بالأيدي بعد صفّ الفرقة ويطلق على كل هؤلاء "جمع الحضارة"، يتابع الجميع إيقاع الدفوف وهم يتمايلون يمينا وشمالا إلى أن يخرج أحد (المتخمرين) أمام الصفوف ليقدم عرضا فرجويا يرتعب منه الأطفال ويفتحون عيونهم بكل خوف ليشاهدوا كيف يقوم ذلك الرجل بتكسير الزجاج بأسنانه أو مقاومة حريق نبات الحلفاء الجاف بجسده العاري أو المشي على الصبار وشوكه دون أن يمسّه سوء ببركة شيخه الذي (نزّله) فلا يكف عن عرضه إلا وقد اعتصره شيخ الحضرة بكلتا يديه موشوشا له في أذنه بكلمات لا يعرفها غيره.
وكنت أتنقل مع أولئك الأطفال فأتعلم معهم ومنهم وقد كنت أكبرهم وأواظب على جلسات كبار الفرقة لأسأل عن كل التفاصيل وأفهم أسرار العمل وأكتب كل ما أستمع إليه من نصوص رغم أن أكثرهم لا يحفظون جميع الأبيات فقد كانت مهمتهم الأساسيّة عند الإنشاد هو تكرار مطلع كل مدحة.
كانت الفرقة تفتتح عملها بالفاتحة من القرآن الكريم يتلوها المجرّد وهي أذكار يتم ترديدها على ايقاع التصفيق بالأيدي وبعدها تكون وصلة المالوف التي لا تعتمد على الدف (البندير) بل على آلة (الطار) الرقّ ودربوكة كبيرة الحجم والنقيقريات وهي آلة ينقر عليها بالعصي وتتكون من جفنتين دائريتين مغلفتين بجلد توضع على صندوق مجوف أو حامل حديدي ، هذه الآلة كثيرا ما رددت والدتي على مسمعي أنّ جدّي الطيب قلوز رحمه الله كان ماهرا في العزف عليها.
بعد المالوف، يصبح الدّور موكولا لخالي إسماعيل شعبان رحمه الله ليقوم بمهمّة لا يجاريه فيها غيره من أفراد الفرقة وهي العروبيّات إيذانا بأن الحفل الفنّي من الإنشاد الديني بالدّفوف سيبدأ عن قريب فيأخذ (البنادريّة) دفوفهم التي تم تسخينها بقرب الكوانين.
تواصل انضمامي لهذه الفرقة في كل صيف بعد نهاية الامتحانات وتدرّجي في مراتب التعلم حتّى وجدت نفسي بعد عديد المشاكل التي عصفت بكبار الفرقة وانقسامهم إلى فرقتين ووفاة شيخها عمّي الطاهر (رحمه الله) ومغادرة الكثيرين أحد أفرادها الذين يتوجب عليهم أخذ المشعل للحفاظ على تواصل هذه الفرقة.
تعتبر فرقة القادريّة بمدينة الماتلين متنفس الكثير من الأطفال والشباب في عطلتهم الصيفية ومدرسة للأجيال يدخلونها للتعلّم كأي ناد من النوادي لينهلوا من تراثها فعملت بما أمكنني على تدوين ذلك التراث والتجديد فيه.
كان هدف الفرقة الأوحد في ذلك الوقت هو التعريف بهذا اللون من التراث والمحافظة عليه وكانت كلّما انقطع جيل من شبابها عن متابعة العمل تعوّضهم بآخرين تسهر على تعليمهم طيلة فصل الخريف والشتاء والربيع ليكونوا جاهزين لموسم الصيف الذي تكثر فيه المناسبات الإحتفالية من العائلات المتاليّة أو من القرى المجاورة كرأس الجبل - رفراف - العالية - غار الملح - منزل الجميل – منزل بورقيبة – بنزرت وغيرها من المدن.
أصبح للفرقة إشعاع على الصعيد الوطني من خلال مشاركتها في المهرجانات المحلّية والجهويّة والوطنية وتلقت عدّة عروض للمشاركة في البرامج الإذاعية والتلفزيّة ممّا شجعنا على تطوير تجهيزاتنا وأثاثنا وأزيائنا والتدرب أكثر على لوحات فنيّة جديدة مبتكرة.
وكان للفرقة نظام داخلي صارم يعاقب من يخالفه خاصّة عند التسيب أو إهمال التمارين أو عدم الإعتناء باللباس أو المظهر الخارجي لكل عضو، كما كان كل واحد مسؤول عن أثاث عمله ومطالب بإعادته شخصيا إلى مقر الفرقة، ويحدث أن تحترق الدفوف أثناء العمل أو التمارين بألسنة لهب الكانون عند تدفئتها فيطالب ذلك العضو بتجليد دفه بجلد جديد أو يقع اقتطاع ثمن تلك الآلة من أجرته.
عملية التجليد هذه كانت فرصة لتعلم مهنة اندثرت مع كبار السن وكان شيخ الفرقة عم الطاهر رحمه الله هو الوحيد الذي يعلم أسرارها في فرقتنا وقد تعلمناها منه، كنا نشتري جلود حيوان الماعز ونغمسها في وعاء من الماء ثم نرشه بالجير إلى أن يفقد المواد الدهنية التي تغطيه ليصبح شفافا، عندئذ يتم تنظيف إطار الدف من الجلد القديم وطليه بمادة لاصقة ثم نقوم بمساعدة مخيط كبير الحجم بإلباسه الجلد الجديد بحبال خاصة مع الشدّ بقوة، ثم يترك في الشمس (ليشيح) و(يجف) على مهل، وعندما يحصل ذلك يقع قص الأطراف ليستوي دورانه ويشد بمسامير مع عدة أشكال من الزينة كل حسب ذوقه، وكنا خلال تلك العمليّة نتعلّم وجوب المحافظة على آلاتنا ونقضي أوقاتا ممتعة في تزيينه وإلباسه أحسن حلّة لنتفاخر بما صنعته أيدينا.
كان أكثر المشاركين من أعضاء الفرقة يتوقون إلى معرفة أسرار هذه الطريقة الصوفية ويريدون الوصول إلى أكبر معلومات تهمّ شيخ طريقتها الأول "سيدي عبد القادر الجيلاني" ويتساءلون عن كيفية وصولها إلى شمال افريقيا وتونس تحديدا، وكانت عديد الأسئلة التي تخامرنا ولا نجد لها أجوبة واضحة خاصّة عندما يواجهنا البعض بأقوال تتهمنا بالمبالغة في مدح شيخ لم نعرفه وأننا نصبغ عليه هالة من القداسة والمعجزات لا يمكن أن تكون لأي إنسان صالح وأنها تختص بالأنبياء والمرسلين وأننا قد نكون أو نحن في طريق الكفر والإشراك بالله لأننا نرفع من شأن هذا الشيخ إلى مراتب عالية لا تجوز له.
حاولنا الدفاع عن الطرق الصوفيّة وخاصّة عن شيخ طريقتنا رغم أننا كنا ندرك أن الكثير من التفاصيل كانت تنقصنا عن هذه الطريقة لأننا والحق يقال لم نكن نتبع الطريقة الجيلانية ولكننا كنا فرقة هاوية تعرّف بالتراث القادري الذي تعلمناه من آبائنا وأجدادنا وكانت حجتنا في أكثر الأحيان أن الذين سبقونا بالإسلام لم يكونوا يرون في التصوّف كفرا وكانوا يحافظون على أركان الاسلام ولم يكونوا يتبعون شيخا ولكن يتبعون صاحب الرسالة الخاتمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن هذا الشيخ هو من نسب رفيع يمتد إلى تلك الشجرة المباركة وأن بركاته من بركات جده إن وجدت وثبتت حسب ما ننشده وإلا فإن اللغة العربية تحمل مجازات لابدّ من مناقشتها لفهم مرادها فكما أن الله رب الناس أجمعين فكذلك الوالد هو رب العائلة ويعطي الله لعباده الصالحين ما يشاء من كرامات بحسب درجات إيمانه وصلاحه...
كلّ هذه التساؤلات اختارت أن تبقى في عقلي لعلّني أدرسها على مهل ولو بعد فراق هذه الفرقة التي تعنى بتراث القادريّة، لأبحث في جوانبها ومن زواياها المتعدّدة بين من يتهمها بالخروج عن ملّة الإسلام وبين من يرى أنها جانب آخر من التديّن بالعقيدة الإسلاميّة عوض إتباع المذاهب التي أسّسها أئمة اجتهدوا ما يستطيعون في فهم أسس الشريعة واستنباط أحكامها، لكنّ التصوف يتقاطع مع المذاهب حين يرى أن الوصول إلى أعلى المراتب يجب أن يمرّ حتما بالتخلّص من أدران الحياة وأشكال السلطة بتطهير النفس وإذلالها وإبعادها عن الشهوات، هذا التقاطع يجعل من البحث في تاريخية التصوّف ومعتقداته وفهم نظرته للوجود واختلافه مع السائد، ربما السبيل الوحيد للاجابة عن سؤال يحيّر الكثير من الناس، هل الصوفيّة فكر منحرف عن الدين الاسلامي ؟