19 | 11 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

مفاهيم العلمانية / د.عبد الرحمن السليمان

مفاهيم العلمانية

بقلم

د.عبد الرحمن السليمان


أهمية التأثيل وعلم اللغة المقارن ودورهما في ضبط المفاهيم الاصطلاحية
مصطلح العلمانية عند طه عبدالرحمن أنموذجا

أ.د. عبدالرحمن السليمان

ملخص البحث

تركز هذه الدراسة على أهمية توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن ودورهما في ضبط المفاهيم الاصطلاحية للمصطلحات العربية، وتأصيل معانيها، بمقارنة الجذور المؤسسة للمفاهيم الاصطلاحية مع الجذور المجانسة لها في اللغات الجزيرية التي ترتبط العربية بها بقرابة لغوية على على مستوى الأصوات والصرف والنحو والمفردات، وهي المستويات الأربعة التي بناء عليها يحكم بالقرابة اللغوية بين اللغات من عدمها.

وتبرهن الدراسة على أنه لا يمكن الاستغناء عن توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في الدراسات المعجمية بشكل عام والدراسات المصطلحية بشكل خاص، وبالأخص في عملية استقراء المصطلح الأجنبي المعرَّب استقراء صحيحا واستجلاء المعاني الدقيقة لمفاهيمه الأصلية استجلاء واضحا. وتخلص الدراسة إلى أن عدم توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في الدراسات المعجمية والمصطلحية قد يؤدي إلى الوقوع في الخطأ عند تعريب المصطلح الأجنبي، وفي سوء التقدير عند صياغته في العربية، وإلى فتح الباب على مصراعيه أمام محاولات تزوير الدلالات وإثارة الشبهات اللغوية وعولمة اللسان العربي.

وتتوقف الدراسة عند استعمال الحكيم المغربي طه عبدالرحمن لمصطلح (العلمانية). ثم تفكك هذا المصطلح في اللغة العربية وتضبط مفاهيمه الأصلية في اللغات القديمة (العبرية والآرامية واليونانية واللاتينية) – مسقطة على عملية تفكيكه وضبط مفاهيمه الأصلية منهج الدراسات التأثيلية المقارنة – وذلكم بهدف استجلاء تلك المفاهيم الأصلية وضبطها هي والمفاهيم والدلالات التي تولدت عن مصطلح العلمانية بعد إدخاله وتوطينه في العربية.


1. ثلاث مقدمات

نقدم بين يدي هذه الدراسة ثلاث مقدمات:

المقدمة الأولى: في اللغات الجزيرية


تنتمي اللغة العربية إلى أسرة اللغات الحامية السامية (أو اللغات الأفرورآسيوية أو اللغات الجزيرية ونحن نفضل هذا المصطلح الأخير). وتتكون هذه الأسرة اللغوية الكبيرة من لغات استعملتها مجموعات كثيرة من البشر منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد حتى اليوم، وفي منطقة امتدت وتمتد من الجزيرة العربية حتى المغرب، ومن جنوب تركيا حتى إثيوبيا. أشهر تلك اللغات العربية والأكادية والأوغاريتية والفينيقية والآرامية والعبرية والحبشية والمصرية القديمة والأمازيغية.[1] ولا تزال اللغة العربية تفتقر إلى معجم تأثيلي يعالج أصولها معالجة تأثيلية[2] ويبين ما تشترك العربية فيه مع أخواتها من اللغات الجزيرية، وما تنفرد به وحدها من الألفاظ التي طورتها بمعزل عن التراث اللغوي الجزيري المشترك، وما اشتقته من جذورها خلال مراحل تطورها الكثيرة، وما استعارته من لغات أخرى وطوعته لينسجم مع أوزانها وأبنيتها مثل /أُسْقُف/ (= المعرب عن اليوناني episkopos)، أو لم تطوعه تاركة إياه على حاله مثل /تلفزيون/ (= الدخيل)، وما دخلها من تعابير اصطلاحية تغلغلت في تراكيبها من خلال الترجمة العشوائية ولغة الصحافة الأجنبية وغيرهما من قنوات الاتصال الحديثة بالغرب. إن خلو المكتبة العربية من معجم تأثيلي يؤرخ لألفاظها ويضبط التطور الدلالي للمدلولات والمفاهيم عبر الزمن، ثغرة كبيرة في الثقافة العربية خصوصا وأن علم صناعة المعجم علم عربي أصيل وضعه العرب منذ أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي وطوروه فيما بعد تطويرا كبيرا، فسبقوا بوضعه وتطويره سائر الأمم التي أخذت عنهم هذا العلم الذي لم يتجاوزهم فيه أحد حتى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما بدأ الأوربيون، متأثرين بعلم صناعة المعجم العربي، ينسجون على منوال المعاجم العربية ويضعون معاجم للغاتهم بلغت في جودتها الغاية.[3] إن توظيف علم اللغة المقارن وعلم التأثيل في الدراسات اللغوية العربية أمر لا بد منه إذا أردنا أن نؤرخ للمفردة العربية تأريخا تأثيليا دقيقا، وأن نبين آليات الترجمة والوضع، وأن نوظف نتائج ذلك التأريخ للمفردات العربية والتبيين للآليات المتبعة في علم المصطلح، وفي وضعه ونحته.

2.1. المقدمة الثانية: في اللغات النوصطراطية

يعتقد، في بعض الأوساط العلمية، أن هنالك قرابة بعيدة بين أسرة اللغات الجزيرية من جهة، وأسرة اللغات الهندية الأوربية من جهة أخرى، إذ توجد نظرية لغوية مفادها أن اللغات الجزيرية من جهة، واللغات الهندية الأوربية من جهة أخرى، تعود كلها إلى أصل لغوي واحد، هو لغة افتراضية اصطلح على تسميتها بـ "اللغة النوصطراطية" أو (The Nostratic Language).[4] وقد جمع مولر في كتابه "قاموس مقارن للغات الهندية الأوربية والسامية"،[5] معظم الجذور المشتركة بين هذه اللغات، واهتدى إلى القوانين الصوتية التي تحدد القرابة اللغوية بينها. طور هذه النظرية وهذبها برونر في كتابه القيم "الجذور المشتركة للمفردات الجزيرية والهندية الأوربية".[6] ويبدو من هذين الكتابين أن القرابة اللغوية (أي المعجمية) ثابتة بين اللغات الجزيرية واللغات الهندية. وقد اهتدى الباحثان أعلاه إلى بعض القوانين الصوتية التي تحكم التطور الحاصل في مفردات تلك اللغات. من تلك القوانين الصوتية: /التاء/ في اللغات الجزيرية تجانس تأثيليا /التاء/ و/الثاء/ في اللغات الهندية الأوربية. مثال:

الأكادية: /فيتُ (petu)/ (وأصلها: /بَتَحَ/ بالـ p، وقد حالت الكتابة المسمارية دون رسمها كما كانت تلفظ) "فتحَ"؛ العربية /فتَحَ/؛ العبرية: פתח = /باتَح (pātah)/ "فتحَ" [السريانية وكل اللغات الجزيرية تقريباً: ܦܬܚ = /فِتَح/ "فتحَ"]؛ المصرية القديمة: /فْتِح (pteh)/؛ اليونانية πετάννυμι = petلnnumi "فتَح، انفتحَ، توسَّع"؛ اللاتينية: patēre "انفتح؛ تفتّحَ؛ توسّعَ" وكذلك pandere "فتحَ؛ وسَّعَ" (بالإضافة إلى بعض اللغات الأوربية الأخرى).
المقدمة الثالثة: في علم اللغة المقارن
3.1.

يقوم علم اللغة المقارن على أربعة أصول هي: الصوتيات والصرف والنحو والمعجم.[7] والقرابة اللغوية التي لا تثبت على أساس هذه الأصول الأربعة ولا تحكمها قوانين صوتية مطردة لا تكون قرابة لغوية بل محض صدفة. وأسرة اللغات الجزيرية أسرة لغوية قديمة تتكون من فرعين الفرع الشرقي (ومنه الأكادية والأوغاريتية والآرامية والعبرية والفينيقية والحبشية والعربية وغيرها) والفرع الغربي (ومنه المصرية القديمة والأمازيغية والكوشية وغيرها). وقد ذهب أكثر الباحثين إلى أن أصل هذه اللغات كان في الجزيرة العربية.[8] ترتبط لغات هذه الأسرة اللغوية الكبيرة بقرابة لغوية ثابتة صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، مما يفترض انحدارها من لغة أم كانت تستعمل في الجزيرة العربية قبل تفرق القبائل المتحدثة بها وهجرتها إلى العراق والشام ومصر والمغرب. اهتدى الباحثون إلى تصوّر هذه اللغة الأم المفترضة بمقارنة اللغات الجزيرية ببعضها على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي، وأطلقوا عليها اسم "اللغة السامية الحامية الأم" (Proto-Hamito-Semitic)[9] وكذلك اللغة الأفريقية الآسيوية الأم (Prot-Afro-Asiatic). ونصطلح نحن على تسميتها بـ (اللغة الجزيرية الأم).

2. ضرورة توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن في تأصيل المعاني الاصطلاحية

1.2. من أجل التأثيل للمفردات في اللغة

ونقصد به التأريخ التأثيلي للفظة وهو غير التأريخ الزمني لها. فالتأثيل يؤصل اللفظة بردها إلى جذرها بالمقارنة مع ما يجانسه من جذور ومفردات في اللغات الجزيرية ويفتح آفاقا للاجتهاد، بينما يختص التأريخ الزمني للمفردة بتتبع تاريخها منذ ضبط وجودها في الكتب والمدونات. فالتأريخ التأثيلي للكلمة ينظر في أصلها الذي سبق ظهورها في الكتب، والتأريخ الزمني لها ينظر في تاريخها منذ ظهورها في الكتب. والغاية من الأول معرفة اشتقاق اللفظة في اللغة والنظر فيما يجانسها مبنى ومعنى في اللغات التي تكون معها أسرة لغوية واحدة، والغاية من الثاني هو التأريخ لظهور تلك اللفظة في الأدب بمفهومه الأوسع، والحمولات الدلالية التي اكتسبتها تلك اللفظة عبر القرون وكذلك ما اشتق منها من مفردات وضبط ذلك كله. وللتمثيل على التأريخ التأثيلي للكلمة ننظر في كلمة (ترجمة).

يقول ابن منظور في "ترجمان"[10]: "الترجمان، بالضم والفتح،: هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من إلى لغة أخرى، والجمع التَّراجم، والتاء والنون زائدتان". ويقول ابن منظور أيضاً في مادة /رجم/: "الرَّجْم: اللعن، ومنه الشيطان الرجيم ... والرَّجْم: القول بالظن والحدس ... وراجَمَ عن قومه: ناضلَ عنهم". ويقول ابن دريد[11]: "ورَجَمَ الرجلُ بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم. وأَرْجَمَ الرجل عن قومه، إذا ناضل عنهم ... والمراجم: قبيح الكلام؛ تراجمَ القومُ بينهم بمراجمَ قبيحة، أي بكلام قبيح". وباستقراء الجذر /رجم/ في اللغات الجزيرية يتبين أن معناه الأصلي "الكلام، المناداة، الصياح، القول الغريب، التواصل". فكلمة "تُرْجمُانُ" في الأكادية – وهي أقدم اللغات الجزيرية تدوينا – مشتقة فيها من الجذر /رجم/، والتاء والنون فيها زائدتان. أما في الأوغاريتية فيعني الجذر /رجم/ فيها "الكلام". والمعنى الغالب للجذر /رجم/ في العربية هو الرجم بالحجارة إلا أن أهل التفسير يقولون إن "الرجم" في هذا المقام هو السباب. فالرجيم هو "المشتوم المسبوب". ويفسرون قوله تعالى "لَئِن لم تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّك" أي "لأَسُبَّنَّك". وهذا يعني أن "الرجم" فعل لساني (أي كلام) وليس فعلاً يدوياً (أي رجم بالحجارة أو بغيرها).

إذن: المعنى الاشتقاقي الأصلي للاسم /ترجمان/ وللفعل /ترجم/ هو "الكلام غير المحدد". فهو "الصياح" في الأكادية و"الكلام والقول" في الأوغاريتية "والظن" في العربية (الرجم بالغيب) وكذلك "السب والشتم والتَّراجُم أي التراشق بالكلام القبيح". وعندي أن "الكلام غير المحدد" بقي "كلاماً غير محدد" حتى اليوم لأن معنى "التُّرْجُمان" الأول هو المترجم الشفهي الذي يترجم كلاما غير محدد سلفا أي غير مفهوم بين اثنين يتكلمان لغتين مختلفتين، وهو كذلك في الأكادية (= تَرْجُمانُ) والعبرية (= תרגמן /تُرْجُمانْ/) والسريانية (ܬܪܓܡܢܐ /تَرْجْمونُا/) والعربية.[12] وعن الشعوب الجزيرية أخذ اليونان كلمة "ترجمان" (Δραγουμανος = Dragoymanos)، وعنهم أخذها الفرنسيون (= Dragoman/Drogman) والإنكليز (= Dragoman) وغيرهم من الأمم. وأول من مارس مهنة الترجمة في التاريخ هم الأكاديون الذين اضطروا إلى ترجمة بعض المصطلحات السومرية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالكتابة المسمارية التي اخترعها السومريون، فترجموها إلى لغتهم الأكادية. ومما حفظ الدهر لنا من أوابد الأكاديين ألواحاً تحتوي على مسارد لغوية باللغتين السومرية والآكادية. وهكذا نرى أن علم صناعة المعجم ولد مع علم الترجمة وظلَّ يلازمه حتى اليوم.

2.2
. من أجل التأصيل للمفردات في اللغة

إن ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل في نسبة ألفاظ عربية بعينها إلى هذه اللغة الجزيرية أو تلك لأسباب تتعلق بأسبقية التدوين، ظاهرة أصبحت ملحوظة في المجلات والمواقع العنكبية .. وأسبقية التدوين لا يقول بها عالم. وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي الذي يرد كل كلمة عربية ذات أصل جزيري مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية (نخلة، رافائيل 1959). وهذا مذهب فاسد لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول الجزيرية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى الأكادية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر هو الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة" (الكرملي 67:1938)

وللتمثيل على أهمية هذا الباب نتوقف قليلا عند كلمة (أمة) التي يزعم مثيرو الشبهات اللغوية أنها من هذه اللغة الجزيرية، أو من تلك.

جاء في اللغات الجزيرية: (أُمُّم) "الأُمُّ"، وهي كذلك في كل اللغات الجزيرية، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كلا من الأكادية /أُمُّم/؛ الأوغاريتية /أُم/؛ الفينيقية /أم/ والعبرية אם = /إِم/؛ الصفوية واللحيانية /أُمّ/ والسريانية ܐܡܐ = /إِمّا/ وكله "الأم". واشتق من هذا الجذر أيضا (أمَّت) وهي "القبيلة، الشعب، الأمة"، وهي كذلك في الأكادية /أُمّانُم/ ومعناها في الأكادية "شعب، جيش"؛ وفي الأوغاريتية /أُمْت/ "عائلة"؛ وفي العبرية والآرامية القديمة אםא = /أُمّا/ "أُمَّة؛ جنس؛ شعب"؛ وفي السريانية ܐܡܐ = /أُمّا/؛ وفي الحبشية /أمَّة/ "أُمَّة؛ قبيلة؛ شعب". ومن هذا الجذر كلمتنا (إِمَّةٌ) بمعنى "القاعدة؛ الآيين/القانون" وهي كذلك في الحميرية /إمّ/ "قانون؛ قاعدة" وكذلك في الحبشية /أمَّة/ "طبيعة؛ نية؛ قاعدة" وكذلك في السريانية ܐܡܘܡܐ = /أَمُوما/ "شكل؛ هيئة" وهي في العربية "أَمَّة" وهي كذلك من هذا الجذر. وجاء أيضا (أَمَّ) بمعنى "تصدر؛ تقدّمَ" ومنه (إمام) وهو أيضا معنى مشترك في اللغات الجزيرية. فهذه جذور مشتركة ذات معان مشتركة ولا تفسير للزعم بأن (أُمَّة) من هذه اللغة أو تلك، إلا الشطط والشعوبية المحدثة.

3.2.
من أجل التأريخ للمفردات في اللغة


اشتقت كلمة (هوية) من (هُوَ) مكررة هكذا: (هُوَهُوَ) للدلالة على التطابق والتماثل والتجانس. وهي بهذا المعنى ترجمة مستعارة(loan translation) لكلمة يونانية تدل على التطابق والتماثل والتجانس. وقد أضاف الفلاسفة العرب إلى (هُوَهُوَ) أداة التعريف وضموا /الهاء/ فيها لتصبح الكلمة كما يلي: (الهُوهُو)! ويطلقونها على ما يطابق الشيء من كل وجه أي على الشيء المماثل والمطابق والمجانس لشيء آخر. وقد ترجم هذا (الهُوهُو) العربي كما ورد في كتب ابن سينا وابن رشد التي ترجمت إلى اللاتينية بـ (identicus) يعني identical بالإنكليزية وidentique بالفرنسية. ثم اشتقوا من هذا (الهُوهُو) مصدرا صناعيا هكذا: (الهُوهُوية) ثم جعلوه (الهُوية) لخفة انذلاق هذه الأخيرة على اللسان. ومما يعضد هذا القول قول الفيلسوف ابن رشد في تفسيره الكبير: "وإنما اضطر إليه بعض المترجمين، فاشتق هذا الاسم من حرف الرباط، أعني الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالوضع في جوهره، وهو حرف /هو/ في قولهم: زيد هو حيوان أم انسان [...] واضطر إلى ذلك بعض المترجمين لأنه رأى دلالته في الترجمة على ما كان يدل عليه اللفظ الذي كان يستعمل في لسان اليونانيين بدل الموجود في لسان العرب بل هو أدل عليه من اسم الموجود وذلك أن اسم الموجود في كلام العرب لما كان من الأسماء المشتقة وكانت الأسماء المشتقة إنما تدل على أعراض خيل إذا دل به في العلوم على ذات الشيء إنما يدل على عرض فيه كما عرض لابن سينا فتجنب بعض المترجمين هذا اللفظ إلى لفظ الهوية إذ كان لا يعرض فيه هذا العرض" (ابن رشد 1983:557).[13]

وللهوية معان اصطلاحية كثيرة لكن معناها هنا (الهوية/identity) تطابق الذوات أو – كما يقول ابن رشد في الصفحة 560 من المصدر ذاته: (الهوية التي تدل على ذات الشيء). ومن ثمة أصبحت تدل على أناس يلتقون على مبادئ معينة ويتحدون بها وهي إما الجنس (مثلا الجنس الآري في القومية الألمانية/النازية) أو (الدين مثلا الديانة الكاثوليكية في القومية الإيرلندية) أو اللغة والثقافة (مثلا اللغة الفرنسية في القومية الفرنسية واللغة العربية في القومية العربية) أو الجنس والدين معا (الجنس اليهودي واليهودية في الصهيونية). ومن الجدير بالذكر أن تفسير ابن رشد الكبير هذا ترجم إلى العبرية فترجمت /الهوية/ إلى العبرية ترجمة مستعارة هكذا: הואהות = /هُوهُوت/.

4.2. من أجل إثبات عجمة المفردات وشرح معانيها الأصلية

مثلما نضطر إلى نفي إثبات العجمة عن كلمة عربية بالبحث في أصلها وتأثيلها، كذلك ينبغي أن نثبت عجمة الكلمة الدخلية في العربية ونقتفي أثر دخولها في العربية وتوطينها فيها وشرح معناها الأصلي إن أمكن ذلك. من ذلك كلمة /أثير/ على سبيل المثال، التي دخلت العربية من اليونانية (αίθήρ = آيْثِير) عند ترجمة "كتاب السماء والعالم" لأرسطو، وبالتحديد عند ترجمة العبارة التالية منه (ونعتذر عن عدم تشكيل الكلمات اليونانية):Αιθερα προσωνομασαν τον ανωτατω τοπον απο του θειν αει τον αιδιον χρονον θεμενοι την επωνυμιαν αυτω التي ترجمها – مع ترجمة "كتاب السماء والعالم" إلى العربية – يحيى بن البطريق، كما يلي: "فسموا ذلك الموضع الشاهق العالي أثيرا من قبل استفاق فعله، وذلك أنه دائم الحركة سريعها، دائم الثبات لا انتقاض له ولا زوال".[14]

ولا يقتصر ضبط أصل الكلمة على المفردات اللغوية فحسب، بل يشمل الأسماء والمفاهيم وسائر الكلام. ونمثل على الأسماء باسم عيسى ابن مريم عليه السلام. إن اسم "عيسى" في العبرية: ישוע = /يِشُوَع/. وقد اشتق هذا الاسم بدوره من الجذر العبري ישע = /يَشَع/ "خَلَّصَ، أنقذ"، الذي يجانسه ـ اشتقاقيا ـ في العربية الجذر /وسع/، ذلك لأن الأفعال التي فاءاتها ياءات في العبرية، تجانس تأثيليا الأفعال التي فاءاتها واوات في العربية، ولأن الشين العبرية تجانس السين في العربية. وهذا قانون صوتي مطرد. وأصل ישע = /يَشَع/ هو ושע = /وَشَع/ لأن أصل هذه الجذور بالواو وليس بالياء كما أثبت علم اللغة المقارن. و(الخلاص) و(الإنقاذ) إنما يكونان من الضيق والأزمة، وهذا هو المعني التأثيلي الأصلي للجذر /وسع/ في اللغة الجزيرية الأم وكذلك في العربية والعبرية. ولقد ترجم اليونان معنى اسمه إلى Σωτήρ (= Sotér) ومعناها "المخلص، المنقذ". فقولنا "المخلص" هو ترجمة عن اليونانية Soter التي هي بدورها ترجمة عن العبرية ישוע = /يِشُوَع/. ومن الجدير بالذكر أن اليهود، فيما بعد، استبدلوا الاسم الأصلي لعيسي عليه السلام (ישוע = /يِشُوَع/) بـ ישו = /يِشُو/، المنحوت من ימח שמו = /يِمَّحْ شْمُو/ "لِيُمْحَ اسمه"، وذلك للسخرية من اسمه عليه السلام.

5.2. من أجل تفادي أخطاء الترجمة والتعريب

لا شك في أن معظم أخطاء الترجمة والتعريب، إن لم يكن كلها، إنما هي بسبب عدم فهم المطلح الأصلي المراد ترجمته أو تعريبه وتوطينه في العربية. بل إن سوء فهم المصطلح الأجنبي والخطأ في ترجمته وتوطينه في العربية على علاته من أهم مشاكل الثقافة العربية المعاصرة، وإن أسباب هذه الظاهرة كثيرة ولا يمكننا معالجتها في هذه الإشارة العاجلة، لكن الجهل إما باللغة الأصلية المنقول منها (الإنكليزية أو الفرنسية) أو باللغة المنقول إليها (اللغة العربية!) وعدم التنسيق بين المترجمين العرب والإدارات العربية وعدم وجود أنظمة معيرة عند العرب أهم هذه الأسباب.

ونمثل على هذه الأخطاء بمصطلح "مقر اجتماعي" وهو مصطلح من النظام القانوني المغربي يراد به العنوان الرئيس للشركة كما ينصص عليه في عقد التأسيس. فهذا المصطلح ترجمة حرفية للمصطلح الفرنسي siège social. والكلمة social هنا هي صفة لكلمة société التي تعني في الفرنسية "مجتمع" و"شركة". فهي من المشترك اللغوي في الفرنسية. أما في العربية فيؤدى معنى "مجتمع" و"شركة" بلفظين مختلفين كما نرى. من ثمة تعتبر ترجمة social التي هي في المصطلح الفرنسي صفة لـ société بمعنى "شركة" إلى العربية بـ "اجتماعي" خطأ لأن معنى هذه الأخيرة في العربية مختلف. والمصطلح القانوني "مقر اجتماعي" موطن في الاستعمال اللغوي في المغرب. ومثله كثير في المغرب والمشرق، وفي معظم الدول العربية.

إن توظيف علم التأثيل وعلم اللغة المقارن كفيل بتفادي مثل هذه الأخطاء لأن علم التأثيل يؤدي إلى الفهم الدقيق للمصطلح الأجنبي ولأن علم اللغة المقارن يؤدي إلى معرفة تاريخ المصطلح وسياق توظيفه وتوطينه واستعماله وانتقاله من لغة لأخرى التقارض أوالترجمة المستعارة الصحيحة أو غير الصحيحة كما هو الأمر عليه في مصطلح "مقر اجتماعي".

3. مصطلح (العلمانية)

1.3. مصطلح (العلمانية) عند طه عبدالرحمن

سوف نتوقف هي هذا الباب عند استعمال الحكيم طه عبدالرحمن لمصطلح "العلمانية" في كتابه: "روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية" (عبدالرحمن، طه 2012، ص 181 – 238).

يرى الحكيم أن مبدأ الفصل بين العمل الديني والعمل السياسي الذي نتج عن "الصراعات على السلطة" التي احتدمت بين رجال الكنيسة والحكام من جهة، وكذا "النزاعات على الحقيقة" التي نشبت بين رجال الكنيسة والعلماء في أوربا منذ القرن السادس عشر من جهة أخرى، أفضى في نهاية المطاف إلى توزيع السلطات والاختصاصات (عبدالرحمن، طه 2012:202). ويرى أن هذا التفريق بين مجال عمل رجال الكنيسة ومجال عمل رجال السياسة أنتج ما يمكن تسميته بـ "العَلمَنة الخاصة"، ثم يورد المصطلح الفرنسي (Laïcisation) مكافئا له (عبدالرحمن، طه 2012:203). ثم يرى أن مبدأ الفصل هذا تجاوز هذا التفريق بين مجالَيْ رجال الكنيسة ورجال السياسة ليصبح مبدأ عاما يجري تطبيقه في مختلف المجالات الأخرى داخل المجتمع طلبا لضبط آليات عمل كل مجال منها. ويرى أيضا أن هذا التجاوز للتفريق بين مجال عمل رجال الكنيسة ومجال عمل رجال السياسة وشموله كل مجالات أنشطة المجتمع المختلفة أنتج ما يمكن تسميته بـ "العَلمَنة العامة"، ويورد المصطلح الفرنسي (Sécularisation) مكافئا له (المصدر نفسه). ثم يذكر في فصل آخر (عبدالرحمن، طه 2012:209) مصطلح "العلمانوية الخاصة" ويورد المصطلح الإنكليزي (Laïcism) مكافئا له، مميزا إياه عن "العلمانية العامة" ويورد المصطلح الإنكليزي (Secularism) مكافئا له. ثم يقترح اللفظ "عَوْمَمَة" أو "عَمْعَمَة" للتدليل على معنى "العلمانوية الخاصة" (Laïcism) التي تسحب جوانب من معتقدات الأشخاص من الحياة الخاصة إلى الحياة العامة.

من جهة أخرى، يجادل الحكيم طه عبدالرحمن عند الرد على غوشيه (Gauchet) وتفنيد مقولته إن "الدين المسيحي هو دين الخروج من الدين" (Le Christianisme est la relogion de la sortie de la religion) ويخطئ القول بأن "الدين المسيحي يدعو إلى الفصل بين "الروحي" و"الزمني"، أو بين "الأخروي" و"الدنيوي" (عبدالرحمن، طه 2012:188). ويرى أن هذا القول مؤسس على مقولة المسيح عليه السلام الشهيرة: "أعطوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله"، وأن التأمل في حقيقة هذا القول يفضي إلى تفنيد التفسير الظاهري له، ذلك أن المسيح أراد بقوله هذا أن يفصل بين تعبدين: التعبد للطاغوت والتعبد لله، وأن الترجمة الحقيقة لمقولة المسيح هذه هي: "من شاء أن يتعبد للطاغوت، فليتعبد للطاغوت؛ ومن شاء أن يتعبد لله، فليتعبد لله" (المصدر نفسه). ويرتكز الحكيم في نقده هذا إلى اعتباره الدين المنزل لا يمكن أن ينسخ نفسه، بل إنه ينسخ الدين الذي قبله فقط بهدف إكماله. وبما أن المسيحة دين منزل، فإنها كانت لإكمال الدين المنزل الذي سبقها وهو اليهودية. إذن ليست تكون المسيحة دينا يخرج من الدين، بل دين "يدخل في التدين حق التدين" (عبدالرحمن، طه 2012:187). ثم يرى في مكان آخر (عبدالرحمن، طه 2012:194) أن الأصل في العَلمانية هو "التصور الفاسد للحقيقة الإلهية"، فقد أدى هذا التصور عنده إلى الخلط بين "وجود الله" و"وجود الإنسان"، بين "معرفة الله" و"معرفة الإنسان"، بحيث أنزلوا العقل منزلة الوحي، مما جعل بعضهم يدعو إلى "تأنيس الإله"، وغيرهم إلى "تأليه الإنسان"، وآخرين دونهم يدعون إلى التأنيس والتأليه معا (المصدر نفسه). ويميل الحكيم إلى الاعتقاد بأن أصل هذا الميل العلماني إنما هو عقيدة دينية تأثروا بها من حيث لا يشعرون، وهي "عقيدة التثليث والتجسيد"، فضلا عن تأثر عموم الثقافة الغربية بالأسطورات اليونانية[15] التي ما تركت للألوهية وقارا مستحقا ولا مقاما كريما (عبدالرحمن، طه 2012:195).

سوف نفكك في الصفحات التالية مصطلح "العلمانية"، ثم نتأمل في مفاهيم "العلمانية" كما أفضى البحث بنا إليها.

2.3. تفكيك مصطلح (العلمانية)

نستهل تفكيكنا لمصطح العمانية هذا بكلام للمرحوم عبدالوهاب المسيري من كتابه (العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة):[16]

"توجد في المعجم العربي ترجمات مختلفة لكلمة "سيكولار" و"لائيك" [كذا، وفي الحقيقة للمصطلحين الإنكليزي secularism والفرنسي laïcité]:

"العِلمانية"( بكسر العين) نسبة إلى العِلم؛
"العَلمانية"( بفتح العين) نسبة إلى "العَلم" بمعنى "العالم"؛
"الدنيوية" أي الإيمان بأنها هي الحياة الدنيا ولا يوجد سواها؛
"الزمانية" بمعنى أن كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالدنيا ولا علاقة لها بأية ماورائيات؛
وتستخدم أحيانا كلمة "لائيك" ("لائيكي" و"لائيكية)، خصوصا في المغرب ولبنان، دون تغيير".

إذن نحن هنا أمام مفهومين غربيين (secularism/laïcité) فسرا على أنهما مفهوم واحد ترجم إلى العربية بأربعة مرادفات ونقحر ليصبح عدد المقابلات العربية له خمسة. وقد أثار نطق العامة والخاصة كلمة (علمانية) بكسر العين جدلا كبيرا. وفي هذا السياق ينقل المسيري قول فؤاد زكريا التالي، وما بين [] من عندي:

"ولا شك في أن الربط بين العلمانية وبين معنى "العالم" أدق من الربط بينها وبين معنى "العِلم". ولو شئنا الدقة الكاملة لقلنا إن الترجمة الصحيحة للكلمة هي "الزمانية"، لأن الكلمة التي تدل عليها في اللغات الأجنبية، أي secular في الإنكليزية مثلا [كذا والصواب: secularism] مشتقة من كلمة [لاتينية] تعني القرن saeculum".[17] ويتضح من كلام فؤاد زكريا أنه يقترح اعتماد مصطلح "الزمانية" بدلا من العلمانية على المصطلح الإنكليزي اللاتيني الأصل secularism وليس على المصطلح الفرنسي اليوناني الأصل laïcité، ذلك لأن "الزمان" ليس من معاني هذا الأخير. وهو اقتراح غير صائب لأن معنى saeculum الأصلي المؤسس للمصطلح secularism هو "الدنيا" وليس "الزمان" كما سيتضح أدناه. وجاء في المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية في القاهرة ما نصه: "العَلماني: نسبة إلى العَلم أي العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي".[18] وكل المصادر اللغوية العربية على هذا القول أي على أن كلمة (العَلمانية) تنسب إلى العَلم بمعنى العالَم بفتح العين وليس إلى العِلم بكسرها، فلا داعي إلى الاستفاضة فيه لوضوحه التام. إنما نحن بحاجة إلى استبيان معاني المفاهيم الأصلية للمصطلحات الغربية التي يُعبّر عنها في كلمتنا (علمانية).

1.2.3. المفاهيم الأصلية القديمة لمصطلح (العلمانية)

نميز في اللغات الغربية بين أصلين اثنين اشتقت منهما مصطلحات كثيرة تشير كلها إلى معاني متقاربة نذكر هنا مصادرها الصناعية وهي: 1. laicism و2. secularism.[19]

1.1.2.3. الـ (Laicism)

(قارن الإنكليزية: laicism؛ الفرنسية laïcisme؛ الألمانية Laizismus والهولندية laïcisme). هذا مصطلح مشتق من اليونانية λαϊκός أو laïkos نسبة λαός أو laos "الشعب". وعليه فإن laïkos يعني حرفيا "شعبي". وقد اكتسب هذا اللفظ مفهوما جديدا بعد نشوء الكهنوت النصراني بعد تنصر قسطنطين واعتبار النصرانية دين الإمبراطورية البيزنطية، فصار يستعمل للدلالة على عامة الشعب للتمييز بينهم وبين طبقة الكهنة الذين أصبحوا يشكلون الخاصة. وعليه فلم يعد laïkos هنا يعني "شعبي" فحسب، بل "عامِّي" أيضا، أي الشخص العامي الذي ليس بكهنوتي. وقد تمأسس الفرق بين عامة الشعب و"الرعاة" أو الكهنوت واتخذت العلاقة بينهما مسافة لا يمكن تجاوزها بعدما أصبح القيام بالأسرار الدينية مثل سر التعميد وسر الزواج وغيرهما مقتصرا على الكهنة المكرسين بسر التكريس (= ordinatio). واتخذت العلاقة، ابتداء من القرن الحادي عشر، بعدا آخر بحرمان الكهنوت من الزواج، بحيث أصبح الفرق بين "عامة المؤمنين" و"خاصة الرعاة" كبيرا جدا.

إذن تعني laicism (ومنها الفعل laicize): "عَوْمَنة"، أي إخراج الشخص من طبقة الكهنة إلى طبقة العامة، أو المتاع (مثلا "الأرض") من ملكية الكهنوت إلى ملكية العامة. من ثمة تسميتهم الشخص العامي في الإنكليزية laic أو layman وكذا laity ضد الكهنوتي (= cleric)، وفي الفرنسية laïque، وفي الألمانية laie وفي الهولندية leek وley ومثله في سائر اللغات الأوربية. وعلى الرغم من أن هذه الألفاظ كانت تطلق على العامي الجاهل، إلا أنها كانت ولا تزال تستعمل في سياق إيجابي أيضا (كان كالفين يسمي قضاة المحاكم المدنية: juges laïcs أي "قضاة مدنيين" .. فالقضاة ليسوا "عامة").[20] وهذه المعاني في اللغات الغربية قديمة قدم المؤسسات النصرانية وليست مستحدثة. ويرد المعجم الإنكليزي التأثيلي مفهوم layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى سنة 1432.[21] ويرد المعجم ذاته المفهوم الإنكليزي layman بمعنى الشخص العامي غير الكهنوتي في الإنكليزية إلى الفرنسية القديمة التي تكون فيها هذا المفهوم سنة 1330 كما يشير المصدر ذاته. وهذا كله يعود إلى اللاتيني laïcus المأخوذ بدوره عن اليونانية laïkos (λαϊκός) نسبة إلى λαός "شعب" كما تقدم.

وعليه فإن هذا المعنى، معنى "العومنة" أي "جعل الشيء عاميا" بعكس الكهنوتي، يعود إلى بداية الحقبة النصرانية كما تقدم، ويعود اشتقاق الإنكليزية laicism والفرنسية laïcisme إلى الكلمة اليونانية λαός (laos) التي تعني "شعب"، "عامة"، أي عكس الكهنة. من ثمة صارت الكلمة تدل على القضايا الشعبية "الدنيوية"، بعكس الكهنوتية "الدينية". وقد اشتق من الكلمة اليونانية λαός (laos) المصطلحُ اليوناني (λαϊκισμός) أو laïkismόs "علمانية/عومنة"، وكذلك (λαϊκός) أو laïkos" علماني/عامّي" الذي هو ضد الكهنوتي (κληρικός) أو klyrikos. ونرجح نشوء هذا المصطلح في بيزنطة بعدما نادى قسطنطين بالنصرانية ديانة للدولة البيزنطية في القرن الرابع للميلاد، وهو القرن الذي عرف حضورا قويا للبطارقة والكنيسة في الحياة السياسية والاجتماعية للدولة البيزنطية.

2.1.2.3. الـ (Secularism)

(قارن الإنكليزية: Secularism؛ الفرنسية Sécularisme؛ الألمانية Sنkularismus والهولندية Secularisme). تعني كلمة αἰών/aioon في اليونانية، فيما تعني، "الأزل؛ الجيل؛ الزمان؛ الحقبة الزمنية؛ الدنيا". وما يهمنا هنا معناها الأخير "الدنيا". وقد جاءت في الأناجيل كثيرا بالمعنيين المتضادين: "الزمن الأزلي" (= السرمد) و"الزمن المؤقت" (= الحياة الدنيا)، تماما مثل الكلمة العبرية עלָם: /عُولَم/ التي وردت في العهد القديم بالمعنيين المتضادين "الزمن الأزلي" و"الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا.

فنحن نجد עוֹלָם: /عُولَم/ بمعنى "الزمن الأزلي" في المزمور 45 الآية 7:כִּסְאֲךָ אֱלהִים, עוֹלָם וָעֶד "عرشك يا الله إلى الأبد"، ونجدها بمعنى "الزمن المؤقت" أو الحياة الدنيا في سفر الجامعة الإصحاح 3 الآية 11: גַּםאֶת-הָעלָם, נָתַן בְּלִבָּם "وجعل حب الدنيا في قلوبهم"، لأن עלָם: /عُولَم/ ههنا تعني "العالم"، "الحياة الدنيا"، وليس "الأزل".[22]

فقد جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الأزلية" في إنجيل متى الإصحاح 25 الآية 46: (فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ). فـ"حياة أبدية" هنا ترجمة لـ (ζωὴν αἰώνιον/zo’i aionion). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (vitam aeternam) أي "حياة أبدية" أيضا. كما جاءت كلمة αἰών/aioon بمعنى "الحياة الدنيا" في إنجيل متى الإصحاح 28 الآية 20: (وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر). فـ (انْقِضَاءِ الدَّهْر) هذه هي ترجمة لـ (συντελείας τοῦ αἰῶνος/sinteleias tou aioonos). وقد ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ (consummationem saeculi). وكلمة (saeculi) ههنا ـ وهي مضاف إليه في اللاتينية ومرفوعها هكذا: saeculum، هي ما يهمنا هنا. فهي لا تحتوي على الاشتراك المعنوي الموجود في كلمة αἰών/aioon اليونانية التي تعني "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا"، وهو الاشتراك الذي أخذته عن الكلمة العبرية עולם: /عُولمَوهي من الأضداد في العبرية لأنها تحمل معنَيَيْ "الحياة الأزلية" و"الحياة الدنيا".. فلقد ترجم مترجم الفولغاتا مفهوم "الحياة الأزلية" إلى (vitam aeternam) كما تقدم، بينما ترجم مفهوم "الحياة الفانية" بـ (consummationem saeculi). إذن لا تعني الكلمة اللاتينية "الزمان" و"القرن"فحسب، بل "الحياة الدنيا"، "الحياة الفانية" بالمفهوم الديني لهذا المصطلح كما يفهم منه في النصرانية والإسلام. وهذا باد بوضوح شديد من سياق الأناجيل فأقتصر على المثال التالي من رسالة يوحنا الرسول الأولى، الإصحاح الثاني، الآيات 15-18: 15لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. 16لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ، لَيْسَ مِنَ الآبِ بَلْ مِنَ الْعَالَمِ. 17وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ فَيَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ.18أَيُّهَا الأَوْلاَدُ هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّ ضِدَّ الْمَسِيحِ يَأْتِي، قَدْ صَارَ الآنَ أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ كَثِيرُونَ. مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ.

فمفهوم الساعة الأخيرة (ἐσχάτη ὥρα/novissim ahora) هنا يشير إلى اقتراب عودة عيسى عليه السلام بعد صلبه في المعتقد النصراني من أجل إنشاء "ملكوت السماء"، وهي ما يسمى في اللاهوت النصراني بـ "المجيء الثاني". وقد عبَّر الإنجيل عن المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وصلبه في المعتقد النصراني، وبين مجيئه الثاني فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، باللفظة اليونانية αἰών/aioon التي ترجمها مترجم الفولغاتا إلى اللاتينية بـ saeculum، وهذه الأخيرة هي التي تهمنا الآن في سياق بحثنا في مصطلح (العلمانية). فهي تعني المرحلة الزمنية التي تكون بين مجيء عيسى عليه السلام الأول وبين عودته فيما بعد لإنشاء "ملكوت السماء"، أي "الحياة الدنيا". إذن تعني saeculum ـ بالضبط ـ "الحياة الدنيا"، وليس سواها، فنهمل ما سواها من معان ودلالات حمولية أخرى تحملها الكلمة، ونقتصر على معنى "الحياة الدنيا". ومما يزيد هذا المعنى بيانا كون ضد saecularis "العَلماني" بمعنى الشخص العامّي اللاكهنوتي، هو كلمة regularis التي يراد بها كل شخص خاضع لنظام ديني (= regula) معين ويعيش وفقا لقوانينه الداخلية مثل القساوسة والخوارنة وسكان الأديرة من رهبان وراهبات ومن كان بحكمهم.

ومن saeculum اشتق الفعل اللاتيني saecularisatio للتعدية وأداء معنى "عَوْمَنَ" أي جعل الشيء دنيويا بإخراجه من خاصِّية الكهنوت وملكيته إلى عمومية العامّة وملكيتها. وهو في الأصل مصطلح فني من مصطلحات الشريعة الكنسية الكاثوليكية للتدليل على أملاك الكنيسة التي كان الأمراء والملوك يغتصبونها ويخصصونها لاستعمالهم الخاص أو للاستعمال العام. وتشير المصادر إلى أن أول استعمال لمصطلح (saecularisatio) بهذا المعنى كان سنة 1648 بعد التوقيع على صلح وستفالن (Westphalen).[23] وهذا التاريخ مهم لأنه في الحقيقة كان بداية عملية الحد من سلطة الكنيسة وسلطة البابا وتحدي دعواه في ممارسة "القوة المطلقة" (plenitudo potestatis)، وهي العملية التي استمرت منذ صلح وستفالن (Westphalen) حتى قيام الثورة الفرنسية (1989-1799) التي استكملت عملية الحد من سلطة الكنيسة واغتصاب أملاكها بالكلية تقريبا.

2.2.3. المفاهيم الأصلية الحديثة لمصطلح (العلمانية)

ذكرنا فيما سبق المفاهيم الأصلية القديمة للمصطلحات التي تشير إلى (العلمانية) من حيث هي إخراج الشخص من جملة المقدس وجعله عاميا، والشيء من الاستعمال الديني (مثلا الأرض/البناء) وتخصيصه للاستعمال الدنيوي. وهذا هو المعنى القديم للعلمانية بشكل عام، منذ القديم وحتى الثورة الفرنسية (1989-1799). وقد اصطلحنا على وضع مصطلح يدل على هذا المفهوم دلالة دقيقة، ألا وهو مصطلح (العَوْمَنة) أي جعل الشيء عامِّيا. وسنعالج هنا المفاهيم الأصلية الحديثة لمصطلح العلمانية، التي التي نشأت بعد الثورة الفرنسية. ونستعمل كلمة "حديثة" هنا بشيء من التوسع لأن عمر الثورة الفرنسية أكثر من قرنين، ولكنها تبقى علامة فارقة في تاريخ العلمانية، وحركة مؤسسة للإيديولوجية اللائيكية التي تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر، أي يعد حوالي قرن من قيام الثورة الفرنسية.

إن المفهوم الثاني الذي اكتسبته (العلمانية) هو مفهوم "الدنيوية" (secularism) الذي أدخله في الاستعمال سنة 1851 الإنكليزي جورج هوليوك (George Holyoake). لا يقصد هوليوك بالدنيوية هنا (العَوْمَنة) أي جعل الشيء عامِّيا، فهذا المصطلح قديم كما تقدم، بل يرمي به إلى الفصل بين الدين والمجتمع. ففي حين كان يفهم من المصطلح اللاتيني saecularisatio "عومنة" الأشخاص والمتاع بإخراجهم من المجال الديني إلى المجال اللاديني، ومن عالم الكهنة إلى عالم العامِّة، أصبح يفهم من مفهوم "الدنيوية" (secularism) الذي أدخله جورج هوليوك الحد من تأثير الدين على المجتمع والعلاقات الاجتماعية عموما. فالعومنة حالة محدودة نسبيا لأنها تتعلق بالكهنة وأملاكهم التي تُخرج من عالمهم الكهنوتي إلى المجتمع العلموتي عن طريق القهر والاغتصاب في أكثر الأحيان .. بينما "الدنيوية" (secularism) حركة أريد لها أن تكون شاملة لأنها ترمي إلى العكس من ذلك، أي إلى إخراج الكهنة وما إليهم من ديانة وشريعة وتعاليم وعبادة وأخلاق من المجتمع كليا وإعادتهم إلى الكنائس والأديرة. ولكن حركة جورج هوليوك لم تتبلور لتصبح حركة منظمة ذات أثر بعيد مثل اللائيكية الفرنسية، ولم تتبناها الحكومة البريطانية كما وقع في فرنسا، بل استحالت تيارا مدنيا عاما إلى جانب التيار الديني الحاضر بقوة في السياسة والمجتمع في بريطانيا،[24] وساهمت إلى حد بعيد في علمنة شرائح كبيرة في المجتمع وخلق قيم جديدة اصطلح على تسميتها فيما بعد بالدين المدني (civil religion)، ولكن دون مأسسة العلمانية وأدلجتها وفرضها على الشعب كما حدث في فرنسا.

أما المفهوم الثالث والأخير لمصطلح العلمانية فهو المفهوم الذي نشأ في فرنسا بعد الثورة الفرنسة بقرن تقريبا، وهو مفهوم الـ laïcité الذي يعود تأثيليا إلى اليونانية λαϊκός أو laïkos "شعبي؛ عامِّي" نسبة λαός أو laos "الشعب". إن أول ظهور لكلمة laïcité في المعجم الفرنسي كان سنة 1871 كما يذكر معجم روبير.[25] وقد بدأت حركة اللائيكية هنا تتبلور في حركة ليئكة التعليم فقط لأن اللائيكية، من حيث هي إيدلوجية فرنسية حركية كفاحية، تبلورت نهائيا بعد قانون فصل الدين عن الدولة الفرنسي الصادر سنة 1905. وأدت ليئكة التعليم هذه إلى إبعاد القساوسة والرهبان من التعليم الابتدائي الحكومي كليا. من يومها واللائيكية الفرنسية تسيطر سيطرة تامة على مؤسستين تعتبران أهم ركيزتين لها وهما: الدولة والمدرسة (في تركيا: الجيش والمدرسة). فالمدرسة هي المكان التي يتم فيه تكوين الأجيال وأدلجتها وفق إيديولوجيات معينة يأخذ بها النظام السياسي القائم.[26]

3.3. تاريخ مصطلح (العلمانية) في العربية

إذن تعني كلمة عَلم ـ بفتح العين ـ التي اشتق منها مصطلح (العلمانية) ـ "العالَم" كما تقدم. ويستوقفنا في هذه الكلمة تعريف المعجم الوسيط لها، وخصوصا قوله: (نسبة إلى العَلم أي العالم)، وبالتحديد قوله (أي العالَم) لتفسير كلمة (عَلْم) بفتح العين. فالمعجم الوسيط ومعه مجمع اللغة العربية في القاهرة يريان أنه من الضروري شرح كلمة (العَلْم) وتفسيرها للقراء بالجملة المضافة: (أي العالَم). وضرورة الشرح والتفسير للقراء يعنيان أن الكلمة المراد شرحها وتفسيرها تستعجم على جمهور القراء. ونحن لاحظنا استعجامها على الخاصة قبل العامة في مناسبات كثيرة .. وهذا يجعلنا نتساءل: هل كلمة (عَلْم) – بمعنى العالَم – عربية؟ وهل وردت (عَلْم) – بمعنى العالَم – في مصادر قديمة؟

الجواب لا. ليست كلمة (عَلم) بمعنى العالم عربية، ولم ترد حسبما أفادنا به البحث والاستقصاء في مصادر ومعاجم قديمة[27]. فهي كلمة دخيلة في العربية من السريانية (ܥܠܡܐ: /عَلْما/) التي تعني فيها "العالَم"، "الدنيا". وألف المد في السريانية (عَلْما) هي أداة التعريف في السريانية لأن التعريف في السريانية إنما يكون آخر الكلمة.[28] ومن الجدير بالذكر أن الجذر الجزيري /ع ل م/ يفيد في جميع اللغات الجزيرية معاني "الدهر، الدينا، العالم، الزمن اللامتناهي"، إذ يجانس كلمة "العالم" عندنا كل من الكلمة العبرية: עולם: /عُولَم/ [وأصلها فيها: عالَم]، والكلمة الحبشية /عالَم/. فالكلمة الجزيرية المشتركة التي تدل على العالم هي (عالَم) بفتح اللام كما وردت في العربية والعبرية والحبشية وكما تقدم أعلاه. أما (عَلما) فليست موروثًا جزيريًا مشتركا بل هي كلمة سريانية دخلت العبرية كما يقر بذلك صاحب المعجم العبري التأثيلي بصريح العبارة[29]. كما أنها دخلت العربية أيضًا ـ أو بعبارة أدق ـ وُظفت في العربية لنحت كلمة العلمانية منها كما سيتضح لاحقًا. والدليل الحاسم على ذلك هو أن (عَلم) بفتح العين - أي بمعنى العالَم - لا تستعمل في العربية بحد ذاتها، واستعمالها في العربية مقصور على كونها جذرًا اشتق منه مصطلح (العلمانية) فقط.[30]

ولمعرفة كيف دخلت هذه الكلمة السريانية اللغة العربية وتتبع ذلك نود أن نشير أولاً إلى إن السريان نصارى يميزون، شأنهم في ذلك شأن سائر النصارى، بين خاصة الكهنة وعامَّة المؤمنين، بين الرعاة والقطيع ..[31] وكانوا نقلة المعارف اليونانية في العصور الوسطى، وهم أقدم سابقة من العرب في الترجمة عن اليونانية بقرون. وبما أنهم نصارى لهم رهبان وكهنة وثيقو الصلة باليونان، فقد انتقل مفهوم (العلمانية) بمعنى جعل الشيء عاميًا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة") إليهم من اللاهوت النصراني المدون أكثره وقتئذ باللغة اليونانية، مثلما انتقل إلى غيرهم من الأمم النصرانية[32] ومنهم الفرنسيون (سنة 1330) والإنكليز (سنة 1432) كما يذكر المعجم الإنكليزي التأثيلي.[33] فعبروا عن المفهوم اليوناني (λαϊκός/laïkos) نسبة إلى (λαός/laos) "شعب" الذي نشأ مع تمايز الكهنوت المسيحي ابتداء من القرن الرابع الميلادي عن عامة الشعب، بـ ܥܠܡܝܐ: /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "عالَم"، وجعلوا يستعملون ܥܠܡܝܐ: /عَلمايا/ للدلالة على العالم والحياة الدنيا والعوام، وعرَّبوه ـ عند استعرابهم في العهد العباسي ـ إلى "عَالَماني" أولاً ـ على أساس أن المكافئ الوظيفي والمعجمي والدلالي العربي للفظة السريانيةܥܠܡܐ: /عَلْما/ هو "العالَم" ـ ثم أدخلوا السرياني (ܥܠܡܐ: /عَلْما/) في العربية وعرَّبوه على "عَلم" ثانيًا، لينحتوا منه "عَلْماني" بدلاً من "عَالَماني" لخفة انذلاق هذه الأخيرة على لسان الجماعة.[34] ومن السريان انتقل هذا المعنى إلى العرب عن طريق الكتاب العرب النصارى الذين يعرفون السريانية مثل.[35] والدليل القاطع على ذلك استعارة العرب كلمة (عَلْم) بمعنى (العالَم) من السريانية كما تقدم أعلاه هو أن هذه الكلمة لم ترد في مصادر عربية مكتوبة قبل سنة 1800 ولا تستعمل في العربية - حتى يومنا هذا - خارج سياق كونها أصلاً اشتق منه مصطلح (العلمانية) كما تقدم .. ثم اشتقوا منها كلمة (علمانية) على السماع لا على القياس لأن القياس اللغوي يقتضي نحت (عَلْمِية) ـ بفتح العين - وليس (عَلْمانية) بإضافة الألف والنون. ويبدو جليًا من لفظة (عالَمِيِّ) التي أوردها دوزي في معجمه (انظر أدناه) ثم ترجمها بـ laïque, séculier أن اللفظتين المقترحتين (عالَمِيِّ) و(عالَمانِي) لم تستقرا وقتها في العربية وأنهما اختفيتا نهائيًا لصاح اللفظة السريانية الأصل والنحت – أي (عَلْماني) –لوثيق صلة هذه الأخيرة، لفظًا ومفهومًا، بالديانة المسيحية وبالتراث اللغوي السرياني.

وقد أفضى بنا البحث والتنقير إلى أن أقدم ورود لمصطلح (عَلْمانية) في المصادر العربية كان في القرن العاشر للميلاد، فلقد جاء في كتاب (مصباح العقل) لساويرس ابن المقفع[36] الميت سنة 987 ميلادية ما نصه:

"التزويج مختلف عندنا، لأن للكنهة شروطًا ذكرها الكتاب؛ وهي ألا يتزوجوا بأرملة ولا مطلقة ولا زانية. وليس للكاهن أن يتزوج، بعد امرأته الأولى، بغيرها؛ هذا بإجماع النصارى؛ إلا ما ابتدعه طيماثوسالجاثليق من إطلاقه للنسطورية التزويج، بعد امرأته الأولى، بما شاء، واحدة بعدة واحدة، ولو بلغ ذلك سبعة، وكذلك إبراهيم البطريق، صاحب نوبة. والكاهن هو الأسقف والقس والشماس. إلا أنهم مختلفون في أمر آخر؛ لأن الشماس يمكنه أن يتزوج بعد الشماسية، ولا يمكن للأسقف والقس أن يتزوجا بعد الأسقفية والقسيسية، إلا عند الطائفتين اللتين ذكرتهما، أعني طيماثوس الجاثليق وإبراهيم البطريق، فإنهما أجازا ذلك للقس والشماس، كما ذكرت آنفا. وقد رأى المتقدمون بعد ذلك رأيا في الأساقفة. أما المصريون فرأوا أن يكون الأسقف، بالإسكندرية خاصة، بتولاً لم يتزوج في حال علمانيته. وأما النسطورية والسريان فرأوا ألا يكون الأسقف البتة ممن تزوج قبل أسقفيته. وأما النوبة فأمرهم على الرسم الأول".[37]

وهذا حسب علمنا أقدم ورود لمصطلح (العلمانية) بالعربية. وهو من التراث العربي المسيحي كما ذكرنا. وابن المقفع يستعمل (علمانية) ههنا مقابل (أسقفية) أي الكهنوتية، هكذا دونما شرح، مما يعني بداهة أنه يفترض أن القارئ يدرك معناها جيدًا وأنه ليس أول كاتب استعملها، وأن ديوان النصوص المسيحية العربية الذي يرى النور شيئًا فشيئًا يجب أن يحتوي على نصوص أقدم من نص ابن المقفع جاء فيها هذا المصطلح السرياني الأصل النصراني المفهوم كما أبنا.

كما أفضى بنا البحث والاستقصاء إلى أن أول معجم ثنائي اللغة قدم ترجمة عربية لكلمة laïque الفرنسية هو "القاموس الفرنسي العربي" الذي وضعه القبطي إليوس بقطر عام 1828.[38] ولترجمة كلمة laïque إلى العربية، استعمل بقطر الذي كان مطلعًا على التراث العربي النصراني[39] في معجمه هذا مصطلحًا من هذا التراث العربي النصراني، نقصد مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) الذي أتى ترجمة مستعارة لـ (عَلْمايا) السرياني كما تقدم. وعندنا أن إليوس بقطر أولُ من أخرج مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) من التراث العربي النصراني المخصوص بالنصارى العرب، وأدخله – باستعماله إياه ترجمة للمصطلح الفرنسي laïque – في الاستعمال اللغوي العام للفصحى، ذلك لأن معجمه هذا أصبح مصدرًا لجميع من استعمل مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) من بعده، ومن أقدمهم بطرس البستاني في معجمه (محيط المحيط) الذي يعتبر أول معجم عربي (صدر سنة 1870) يقدم تعريفًا للكلمة حيث ورد فيه ما نصه: "العَلْماني: العامِّي الذي ليس بإكليريكي".[40] وهذا تعريف مهم جدًا لأنه أقدم تعريف ورد في مصدر عربي أصيل ولأن البستاني لا يقصد بحده هذا الإيديولوجية العلمانية الفرنسية (laïcité) التي تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أي بعد إصدار معجم البستاني بأكثر من عقدين تقريبًا ـ فضلا عن العِلم! ـ بل المفهوم الأقدم للمصطلح كما تقدم وصفه، أي (laïcisme/العَوْمنة) أو جعل الشيء عاميًا، وهو مصطلح نصراني بحت يدل على مفهوم نصراني بحت كما تقدم.[41]

وعلى معجم إليوس بقطر المصري كل أصحاب المعاجم الثنائية التي أوردت مادة (عَالَماني/عَلْماني) بالعربية، وأقدمها معجم بارثلمي الصادر سنة 1935 (انظر Barthélemy A., 1935). وهذا معجم عربي (للهجات بلاد الشام) فرنسي، جاء فيه (عَلْماني) وترجمه بـ laïque, séculier. وكذلك رينهارت دوزي صاحب المعجم الشهير (تكملة المعاجم العربية) الذي صدر سنة 1881 والذي جمع فيه أكثر الألفاظ التي أهملها أصحاب المعاجم العربية لأنهم لم يعتبروها من الفصيح كما اصطلحوا عليه آنذاك ومنها (عَلْماني)، حيث جاء فيه: (عالَمِيّ) ـ نسبة إلى العالَم بمد العين بألف المد وبدون نون – وترجمه بـ laïque, séculier، و(عَالَماني) ـ نسبة إلى العالَم بمد العين بألف المد ولكن بنون – وترجمه بـ laïque, séculier، ثم (عَلْماني) ـ نسبة إلى العَلْم بفتح العين ـ وترجمه بـ laïque, séculier أيضا.[42] وقد أشار دوزي بعد معالجته هذه المادة إلى معجم إليوس بقطر مصدرا لكلمة (عَلْمانية). فالمصدر الذي اعتمد عليه دوزي ليس نصًا عربيًا بل معجم فرنسي عربي هو معجم إليوس بقطر، وهذا أمر مثير للغرابة بحد ذاته. وعلى نهج دوزي سار كل المعجميين اللاحقين مثل غزلان إدوارد (Gasselin Edouard:1886) في معجمه الفرنسي العربي[43]، وغيره، إلا أن هذا الأخير ـ وهو فرنسي مولود في الجزائر ـ كان أدق من الآخرين بترجمته laïque إلى العربية بـ "عامِّي"[44] وليس بـ "عَلْماني" ربما لأن التراث العربي النصراني الحاضر بقوة في الشرق، كان مجهولاً في الجزائر آنذاك.

4.3. (العلمانية): المصطلح والمفاهيم

يدل مصطلح (عَلْمانية) في العربية اليوم على ثلاثة مفاهيم أصلية: (أ) مفهوم "العَلْمانية" القديم (laicism) أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة")؛ و(ب) مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851 و(ج) مفهوم الإيديولوجية العلمانية "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1882 للدلالة على هذه الإيديولوجية فيها. وقد سبَّب تداخل هذه المفاهيم الثلاثة ثم وهمهم في نطق (العَلْمانية) بكسر العين نسبة إلى العِلْم خلطا كبيرا في أذهان الناس، عامَّة وخاصّة .. والسبب الرئيس لهذا الخلط الحاصل هو عدم التمييز بين المفاهيم الثلاثة التي اجتمعت في المصطلح العربي (عَلْمانية) الذي اشتق، كما رأينا أعلاه، من كلمة دخيلة من السريانية وُظِّفت لوضع المصطلح العربي (عَلْمانية) في مفهومه الأول (= العَوْمَنة) لحاجة النصارى العرب إليه بسبب طبيعة لاهوتهم المميز بين طبقتين اثنتين هما طبقة الكهنة وطبقة العامة كما تقدم. ثم حُمِّل مصطلح (العلمانية) معنَيَيْ "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851 و"اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1882. فمصطلح العلمانية في العربية مصطلح مركب، وهو مركب كذلك في اللغات الغربية كما شاهدنا، لأنه فيها شاهد عيان على حركة فكرية غربية استغرق تبلورها قرونا عديدة، فمن الطبيعي أن تتراكم في مصطلحات تدل عليها ـ مثل secularism وlaicism وlaïcité ـ مفاهيم ومدلولات متعددة ومتشابكة أيضا. هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فإن خلطا آخر يتمثل في نطق مصطلح (العَلْمانية) بكسر العين يجعلنا نتساءل عن أسباب نسبة أكثر العرب والمتحدثين بالعربية هذا المصطلح إلى العِلم بكسر العين (هكذا: عِلْمانية). لقد أدى هذا النطق الخاطئ للكلمة إلى الاعتقاد بأن العَلْمانية منهج علمي بامتياز. فكيف نشأ هذا الخطأ أصلا؟ وما علاقة العِلْم ـ بكسر العين بحركة العلمانية التاريخية في الغرب التي كانت تهدف أصلا إلى فك الاشتباك بين الكنيسة وبين كل ما سواها؟

لا شك في أن أحد أسباب الخطأ في نطق (العلمانية) بكسر العين هو غرابة الكلمة من الناحية الصرفية أولا. فالكلمة ترجمة مستعارة لكلمة ܥܠܡܝܐ: /عَلمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" كما أبنا ذلك. فترجموها ترجمة مستعارة في العربية بإضافة النون وياء النسبة بعد ألف المد الأولى في /عَلمايا/ لتبدو كأنها مشتقة على وزن (روحاني) و(نفساني) وحتى (سرياني) .. ولما لم يكن في العربية (عَلْم) بمعنى العالم فإنهم قالوا أولا (عالَماني) .. ثم أسقطوا ألف المد الأولى من لفظ (عالَماني) وسكَّنوا لامه ليصبح (عَلْماني). ولا شك في أن اللفظة السريانية ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" كانت في مخيلتهم اللغوية عندما اختزلوا (عالَماني) إلى (عَلْماني). إذن كان الاختزال من (عالَماني) إلى (عَلْماني) "تكوينا رجعيا" (back formation) بسبب اللفظة السريانية ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" التي لعبت في هذه السياق ثلاثة أدوار صرفية ـ إن صح التعبير ـ هي:

دور مباشر في تكوين مصطلح ܥܠܡܝܐ: /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني"نسبة إلى ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم".
دور غير مباشر في ترجمة مصطلح /عَلْمايا/ ترجمة حرفية إلى العربية "عالَماني/عَلْماني" وتكوينه فيها بعد إضافة النون وياء النسبة بعد ألف المد الأولى في /عَلمايا/؛
دور مباشر في إعادة تكوين "عالَماني" إلى "عَلْماني".


أما السؤال فيما إذا كان الدور الثالث الذي أدى إلى إعادة تكوين "عالَماني" إلى "عَلْماني" قد نشأ نتيجة للتكوين الصرفي الرجعي (back formation) أو لإدخال ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" في العربية، فنجيب عليه باعتقاد أن الخيارين وقعا: فمن جهة أدخلت ܥܠܡܐ: /عَلْما/ "العالَم" في العربية، ومن جهة أخرى أعيد تكوين "عالَماني" إلى "عَلْماني" بتأثير من الصفة ܥܠܡܝܐ: /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني". وأما السؤال عن أسبقية أحد الخيارين فهو سؤال لا قيمة له كبيرة في هذا السياق، فلا نشغل أنفسنا به.

ومع وضوح الخطأ في نسبة (العَلْمانية) إلى (العِلْم) ونطقها بكسر العين وضوحا لا يماري فيه أحد، فإن هذا الخطأ شائع شيوعا يدعونا إلى النظر والتأمل في الأسباب التي من شأنها أن تكون وراء هذا الخطأ وشيوعه المثير للاستغراب، وإلى طرح السؤال التالي: هل العَلمانية منهج علمي؟ بالطبع هذا السؤال غير دقيق ولا يصح طرحه بهذه الصيغة. العلمانية حركة فكرية غربية أدت في نهاية المطاف إلى الحد من سلطة الكنيسة وإخراج الديانة النصرانية من الحياة السياسية والاجتماعية العامة. وقد استغرق تبلور العلمانية في الغرب قرونا عديدة، واختلف تطورها من دولة لأخرى، ومن سياق لآخر. وسنحاول – قبل الإجابة على سؤالنا أعلاه – حد هذا الحركة العلمانية كما تعرِّفه المصادر الغربية التي حاولت حده. ونقتصر في حدنا للمصطلح على المفهوم الثالث والأخير له، أي "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871، ذلك لأن مفهوم "العَلْمانية" (laicism) القديم، أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي (= "عَوْمَنة") وكذلك مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851، مفهومان نصرانيان يتعلقان بالديانة النصرانية ومؤسساتها الكهنوتية والدينية ولا يمكن سحبهما على السياق الإسلامي لأنه لا كهنوت في الإسلام. أما اللائيكية الفرنسية فتدعو إلى فصل الكنيسة عن الدولة بإخراج الكنيسة من الحياة السياسية الاجتماعية في الدولة كليا وعدم السماح للكهنة بممارسة أي دور خارج جدران الكنائس. فـ "العومنة" (laicism) وكذلك "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) هما عملية حد من سلطة الكنيسة والكهنة الذين أصبحوا ـ بعد تنصر قسطنطين وجعله النصرانية دينا رسميا لبيزنطة ـ جزءا لا يتجزأ من "الدنيا" (saeculum)، بينما اللائيكية الفرنسية (laïcité) عملية مختلفة لأنها تهدف إلى إخراج الكنيسة والكهنة كليا من الحياة العامة. وهذا يعني أن العلمانية ـ سواء أكانت عملية تحرر ذاتية من سلطة الكنيسة والكهنة أو عملية حركية لتحرير السياسة والمجتمع من سلطة الكنيسة والكهنة ـ حركة متصلة اتصالا وثيقا بالديانة النصرانية لأنها عملية فك اشتباك طوعي أو قسري عنها. ولاستيعاب هذه النقطة ينبغي العودة إلى بداية نشوء النصرانية وانتشارها في الدولة الرومانية التي كانت قائمة وقتها. فكانت النصرانية ـ قبل تنصر قسطنطين في القرن الرابع وجعله النصرانية دين الدولة في الدولة البيزنطية، ديانة مضطهدة. وقد فرض الاضطهاد الروماني على النصرانية نوعا من البراغماتية التي نجد صداها في المقولة الشهيرة التي ينسبها الإنجيلي متى (إنجيل متى الإصحاح 22 الآية 21) إلى المسيح عليه السلام: "فقال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وهذا يعني فصلا تاما بين الديانة النصرانية المغلوب على أمرها آنذاك، وبين الدولة الرومانية الغالبة. إلا أن الحالة تغيرت بعد تنصر القيصر قسطنطين وجعله النصرانية ديانة الدولة البيزنطية. فحدث بعد ذلك تداخل كبير بين الديانة النصرانية ممثلة بالكنيسة والكهنة من جهة، والسياسة والمجتمع وما إليهما من جهة أخرى. فأصبح الكهنة النصارى يمارسون وظائف دنيوية لم يكونوا يمارسونها قبل تنصر قسطنطين، ثم أحكموا سيطرتهم على كل ما له علاقة بالمجتمع. فأتت الحركة العلمانية الأولى (laicism/secularism) التي عبّرنا عنها بـ (العَوْمنة)، وهي الحركة التي يحدها معظم بل كل مؤرخي العلمانية تقريبا على أنها عملية حد وتحرر من سلطة الكنيسة، بدأت في اللحظة التي بدأ التداخل فيها بين الكنيسة والمجتمع أي بعد تنصر قسطنطين وجعله النصرانية دين الدولة الرسمي، وهو التداخل الذي بلغ أوجه عندما أصبح البابا يطالب بما سمي وقتها بـ "القوة المطلقة" (plenitudo potestatis). إذن بدأت حركة العلمانية الأولى في الوقت الذي سيطرت فيه الكنيسة على السياسة والاجتماع ابتداء من أواخر القرن الرابع للميلاد، ولا يمكن ـ مهما حاولنا ـ فصل الحركة العلمانية الأولى (laicism/secularism) والتالية (laïcité) عن الديانة النصرانية. بل إن العلمانية لا يمكن فهمها قط دون فهم تاريخ النصرانية والكنيسة في الغرب. ولا يمكن لغير النصراني أن يعتنق مبادئ العلمانية وأن يتذوق لطائفها لأن تداخل الكنيسة بالسياسة والمجتمع هو الذي يبرر نشوء العلمانية في الغرب النصراني آنذاك وتطورها فيه. وهذا التداخل بين النصرانية والكنيسة والسياسة والمجتمع هو تداخل سببي لا يمكن تجاهله عند الحديث في العلمانية، وهو الذي حدا بالفيلسوف الماركسي الفرنسي إرنستبلوخ (Ernst Bloch) إلى اعتبار الإلحاد العلماني منتجا نصرانيا بامتياز، وهو الذي يفسر مقولته الشهيرة: "فقط المسيحي الحقيقي يمكن أن يكون ملحدا ممتازا، وفقط الملحد الحقيقي يمكن أن يكون مسيحيا ممتازا"[45] وكذلك مقولة غوشيه (Gauchet) إن "الدين المسيحي هو دين الخروج من الدين"، ذلك أن التمييز بين الكهنة والعامة أدى إلى ما يمكن اعتباره فرزا أو تجزئة لجمهور المؤمنين بين كهنة عالمين، وعامة جاهلين، وبين "عُقال" و"جُهال" كما عند الدروز، وبين "الملالي" و"العامة" كما عند الشيعة. لذلك يحد فردناند بويسون (Ferdinand Buisson) العلمانية الفرنسية في مقالة له بعنوان laïcité "اللائيكية" على أنها حركة تسعى إلى (أ) تحقيق الفصل بين المجالات المختلفة للأنشطة العمومية في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والعلمية إلى سائر المجالات التي كانت – نتيجة لغموض الرؤية في الماضي - منصهرة في بوتقة واحدة؛ و(ب) تحقيق استقلالية هذه الأنشطة العمومية عن العامل الديني الذي لم يعد عاملا موحدا للمجتمع.[46] ويقصد بقوله "غموض في الرؤية" خضوع سائر الأنشطة العمومية لسلطة الكنيسة ورؤيتها. فالفصل بين هذه الأنشطة من جهة وتحقيق استقلاليتها عن الكنيسة من جهة أخرى هما لب اللائيكية الفرنسية. وقد مأسس اللائيكيون الفرنسيون الفصل والاستقلالية سنة 1905 عندما أقروا قانون "فصل الكنيسة عن الدولة" (Séparation des ةglises et de l'ةtat). وهذه العَلمانية هي المقصودة على الدوام في خطاب العَلمانيين العرب.

1.4.3. خاتمة

نستنتج مما تقدم أن مصطلح (عَلْمانية) وُضِعَ في العربية أولا للدلالة على: (أ) مفهوم (العَلْمانية)القديم أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي" (laicism). ثم حُمِّل مصطلح (العَلْمانية) في العربية: (ب) مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851، و(ج) مفهوم الإيديولوجةالعَلْمانية "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871 للدلالة على هذه الإيديولوجية فيها.

ثم حُمِّل المصطلح لدى أكثر الناس معانٍ أخرى مثل (الإلحاد). وتحميل أكثر الناس مصطلح العَلْمانية معنى (الإلحاد) هو عملية تأويلية معنوية مماثلة لتحميل العَلْمانيين العرب مصطلح العلمانية معنى (العِلْم) بكسر العين .. فمثلما يؤوِّل العَلماني العربي العَلمانية على أنها منهج علمي ويسحب تجربة الصراع بين العلماء الغربيين والكنيسة الغربية على الإسلام ليرتكب بذلك خطأ منهجيا تاريخيا ـ ذلك أن الإسلام لم يعرف في تاريخه صراعا بين أهل النقل والعقل يمكن أن يقارن بالصراع المرير بين أهل النقل والعقل في الغرب قبل عصر النهضة فيه ـ فكذلك يؤوّل المتلقي العربي ـ حتى المثقف ثقافة عالية ـ العَلْمانية على أنها إلحاد وكفر وهرطقة غربية. فالعربي لا يثق كثيرا بالعَلْمانية، سواء أكان يعرف تاريخها ومفاهيمها الأصلية أم لا، وذلك لأسباب لا يتسع المقام هنا لذكرها. من تلك الأسباب: التنوع النسبي داخل تجربة العَلمانية الغربية، منذ نشأتها وحتى اليوم، وخصوصا التمايز المعروف بين عَلْمانيتين اثنتين، واحدة بمثابة تيار مدني إنسني عام يدعو إلى التحرر من هيمنة الكنيسة دون إلغائها (يسميها الحكيم طه عبدالرحمن "العلمانية العامة" " (عبدالرحمن، طه 2012:209) ويسميها عبدالوهاب المسيري: "العلمانية الجزئية")، نجدها في كل دول الغرب بدرجات متفاوتة. وأخرى بمثابة إيديولوجية سياسية حركية كفاحية (يسميها الحكيم طه عبدالرحمن "العلمانوية الخاصة" (عبدالرحمن، طه 2012:209)، ويسميها عبدالوهاب المسيري (العَلْمانية الشاملة)[47] تقوم عليها الدولة، نجدها في فرنسا وتركيا والبرتغال .. ففرنسا وتركيا والبرتغال هي الدول الوحيدة تقريبا التي تطبق العلمانية تطبيقا شموليا يهدف إلى إلغاء دور الدين كليا من المجتمع .. لذلك يطلق خصوم هذا التيار عليه اسم (اللادينية) بامتياز. بل إن الأتراك استعملوا هذا المصطلح برهة للدلالة على هذه الإيديولوجية العَلْمانية قبل استعارتهم الكلمة الفرنسية layk وكذلك laiklik لأنها أقل إثارة لمشاعر المسلمين الأتراك من "لاديني" (ladini) التي استعملوها في بداية القرن العشرين.[48] ولعل رمي أكثر العرب والمسلمين علمانيي العرب بالإلحاد ناتج عن كون معظم العلمانيين العرب ـ على الأقل من نقرأ لهم ـ من أتباع الإيديولوجية العلمانية الفرنسية، وهي العَلمانية الشاملة التي تدعو إلى فصل الدين عن الدولة بالقوة، وإخراج الدين كليا من الحياة العامة. فلقد أخفق أتباع التيار العلماني واللائيكي العربي إخفاقا كبيرا في استقراء التراث الإسلامي استقراء يمكنهم من تطوير العقلانية الحاضرة فيه بدلا من استيراد إيديولوجية علمانية فرنسية حركية قد يكون لها ما يبرِّرها تاريخيا في الغرب، ولكن ليس لها ما يبرِّرها عند العرب والمسلمين بشكل عام.

لذلك نقترح في ختام هذا البحث تمييز المفاهيم الثلاثة المجتمعة في كلمتنا (عَلْمانية) بثلاثة مصطلحات مختلفة كما يلي:

قصر استعمال مصطلح (العَلْمانية) للدلالة على المفهوم القديم لها (laicism) الذي يعني "جعل الشيء عاميا" فقط (ويرادفه في هذا المعنى: مصطلح "عَوْمَنة" الذي اخترعناه لشرح المفهوم الأصلي.
استعمال مصطلح "الدنيوية" للدلالة على المفهوم (secularism) الذي نادى به جورج هوليوك سنة 1851 (ويرادفه في هذا المعنى: مصطلح "الدهرية")؛
استعمال اللفظ المنقحر "لائيكية" للدلالة على "الإيديولوجية العلمانية" الفرنسية (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1871. (ويرادفه في هذا المعنى: "اللادينية").



المراجع
أ. مراجع بالعربية:

ابن رشد (1983). تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويجس. 4 مجلدات. دار المشرق، بيروت.
ابن منظور (بدون تاريخ). لسان العرب. 15 مجلدا. بيروت، دار صادر.
البستاني، بطرس (1987). محيط المحيط. مكتبة لبنان، بيروت.
الجواليقي (1990). المعرب من الكلام الأعجمي. تحقيق ف. عبدالرحيم، دمشق، دار القلم.
ساويرس ابن المقفّع (1978). كتاب مصباح العقل. سلسة التراث العربيّ المسيحيّ 1. تقديم وتحقيق خليل سمير، القاهرة.
السليمان عبدالرحمن (2013). رسالة بطليموس الغنوصي إلى فلورة المسيحية. مجلة دراجومان. المجلد 1، العدد 1. الجمعية الدولية لمترجمي العربية (www.atinternational.org). الصفحة 1 – 15.
شفيق، محمد (1990). أربعة وأربعون درسا في اللغة الأمازيغية: نحو وصرف واشتقاق. الرباط.
عبدالرحمن، طه (2012). روح الدين، من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي.
القاسمي، علي (2008). علم المصطلح، أسسه النظرية وتطبيقاته العلمية. بيروت، مكتبة لبنان.
الكرملي، الأب أنستاس ماري (1938). نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها.
لويس، برنارد (2009). أين الخطأ: التأثر الغربي واستجابة المسلمين. ترجمة د. محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة.
المسيري عبدالوهاب (1423/2002). العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. مجلدان. دار الشروق.
المعجم الوسيط . إصدار مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1965. مجلدان.
نخلة، رافائيل (1959). غرائب اللغة العربية. بيروت. المطبعة الكاثوليكية.

ب. مراجع باللغات الأجنبية

Barr J. (1968). Comparative Philology and the Text of the Old Testament. Oxford.
Barthélemy A. (1935). Dictionnaire arabe–français. Paris. 2 tom.
Baubérot, J. (1996). Genèse du concept de laïcité en occident. In M. Bozdémir (Ed.), Islam et laïcité. Approches globales et régionales (13-26). Paris: Harmattan.
Bennett R. P. (1998). Comparative Semitic Linguistics: A Manual. Eisenbrauns.
Bergstrنsser G. (1995). Introduction to the Semitic Languages: Text Specimens and Grammatical Sketches. Translated by Daniels P.T. Eisenbrauns.
Bocthor E. (1828-1829). Dictionnaire français-arabe. Revu et augmenté par Caussin de Caussin de Perceval. Paris (3° édition, 1864).
Bown, F. (1994). Influencing the House of Lords: the Role of the Lords Spiritual 1979-1987. Political Studies, volume 42, Issue 1, 105-119.
Brockelmann C. (1913). Grundriss der vergleichenden Grammatik der semitischen Sprachen. 2 vols. Berlin, Reuther and Reichard.
Brockelmann C. (1925). Syrische Grammatik met Paradigmen, Literatur, Chrestomathie und Glossar. Berlin. Reuther & Reichard.
Brockelmann C. (1928). Lexicon Syriacum. Hale. Sumptibus M. Niemeyer.
Cohen D. (1970). Dictionnaire des racines sémitiques ou attestées dans les langue dans les langues sémitiques .. Paris. Mouton. La Haye.
De Lacy O. (1923). Comparative Grammar Of The Semitic Languages. London, Trubner's Oriental Series.
De Ley H. (2007). Secularisme & Religie. Cursusmateriaal van prof. dr. em. Herman De Ley. http://www.flwi.ugent.be/cie/RUG/deley33.htm
Delitzsch F. (1969). Sumerisches Glossar. Leipzig.
Dozy R. (1881). Supplement aux Dictionnaires Arabes. II tom. Leyde.
Endress G. & Gutas D. (1992), A Greek and Arabic Lexicon etc. Brill, Leiden.
Freytag G. W. (1830-1837). Lexicon Arabico-Latinum praesertim ex Djeuharii Firuzabadiique et aliorum Arabum operibus adhibitis Golii quoque et aliorum libris confectum. Halis Saxonum: C.A. Schwetschke et filium.
Gasselin E. (1886). Dictionnaire Français-Arabe (Arabe vulgaire - Arabe grammatical). Paris, Ernest Leroux Editeur. 2 tom.
Goshen-Gottstein M.H. (1970). A Syriac-English Glossary etc. Wiesbaden, Otto Harrassowitz.
Haywood J.A. (1960). Arabic Lexicography ... Leiden.
Klein E. (1987). A Comprehensive Etymological Dictionary of the Hebrew Language for the Readers of English. New York.
Lewis B. (1988). The political Language of Islam. Chicago.
Moscati S. (1964). An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Phonology and Morphology. Wiesbaden, Otto Harrassowitz.
Nِldeke Th. (1964). Mandنische Grammatik. 2nd ed. with appendix by A. Schall, Darmstadt.
Nِldeke Th. (1982). Beitrنge und neue Beitrنge zur semitischen Sprachwissenschaft. Neudruck. Amsterdam, APA – Philo Press.
Wright W. & Smith W. (2002). Lectures on the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Cambridge University Press 1890. Reprint.

[1] انظر Brockelmann C. (1913) و Bergstrنsser G. (1995)و De Lacy O. (1923)و Wright W. & Smith W. (2002) و Nِldeke Th. (1964)وMoscati S. (1964) وBennett R. P. (1998)، وهي من أهم الكتب المرجعية في الدراسات الجزيرية.

[2] نستعمل هنا مصطلح "التأثيل" (etymology) للتدليل على العلم الذي يشتغل بدراسة الأصل التاريخي للكلمات باعتماد منهج المقارنة بين الصيغ اللغوية والدلالات المعنوية لتمييز الأصول من الفروع والتأريخ للتطورات اللسانية التي مرت بها الصيغ والدلالات (مثلا كلمة "ترجمة". انظر 1.2.). ونميز بين مصطلح "التأثيل" (etymology) وبين مصطلح "التأصيل" (etymologizing) الذي نريد به عملية البحث المستمرة عن التأثيل الحقيقي لكلمة ما بالتوسع في توظيف منهج علم التأثيل، والتعمق في الحفر للوصول إلى حقيقتها اللغوية. ونميز بين هذين المنهجين العلميين من جهة، وبين "التأثيل الشعبي" (folk etymology) من جهة أخرى. ونريد بهذا الأخير شرح العامة للصيغ والألفاظ والمعاني حسب آرائهم وتجلياتهم الشعبية، وليس حسب تأثيل علماء اللغة (مثلا كلمة "بابل" الذي تقول التوراة بشأنها إنها من بلبة الرب لألسن الخلق بعد بنائهم برج بابل، بينما الحقيقة اللغوية لهذ الاسم هي أن اسم مدينة "بابل" مشتق من اللغة البابلية كما يلي: /بابْ إِلّي(م)/ (Bāb Ill-īm) أي "باب الآلهة". إذن لا علاقة لاسم "بابل" بحكاية "بلبلة الألسن" التوراتية).

[3] انظر Haywood J.A. (1960) صفحة 1. ويعزو مؤرخ المعاجم العربية، المستعرب هايود، نشأة صناعة المعجم الأوربي الحديث إلى تأثر اللغويين الأوربيين بالمستشرقين الذين اشتغلوا بالمعاجم العربية. (المصدر ذاته، الصفحة 115 وما يليها).

[4] انظر Moscati S. (1964)، الصفحة 17.

[5] انظر: Hermann Mِller (1911).

[6] انظر:Linus Brunner (1969).

[7] انظر Barr J. (1968)، الصفحة 76.

[8] انظر De Lacy O. (1923) ، الصفحة 6.

[9] انظر Moscati S. (1964)، اصفحة 15-16.

[10] ابن منظور (بدون تاريخ: مادة /ترجم/).

[11] ابن دريد (1987: 466 وما يليها).

[12] إذن معنى الترجمة الشفهية سابق لمعنى الترجمة التحريرية كما نرى وهذا ثابت في آثار الأكاديين والسريان والعبران والعرب كما يستشف من قول أبي الطيب المتنبي: (مَغاني الشَّعبِ طِيباً في المغاني = بمنزلةِ الربيع مِـنَ الزّمـانِ. ولكنَّ الفتى العربيَّ فيــها = غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ. ملاعبُ جِنَّةٍ لو سارَ فيـها = سليمانُ لَسارَ بِتُرجمُـــان). قار أيضا قول الراجز: (ومَنْهَل وَردتُهُ التِقاطا؛ لم ألقَ، إذ وَرَدْتُه، فُرّاطا؛ إلا الحمامَ الوُرْقَ والغطاطا؛ فَهُنَّ يُلغِطنَ به إلغاطا؛ كالتُّرجمُان لَقِيَ أنباطا). انظر ابن منظور (بدون تاريخ: مادة رجم وترجم).

[13] وانظر أيضا باب (القول في الهوية)، الصفحة 552 وما يليها من المصدر ذاته.

[14] (انظرEndress G. & Gutas D. (1992) ، مادة /أثير/.


[15] انظر في هذا السياق مقالتنا "رسالة بطليموس الغنوصي إلى فلورة المسيحية" (السليمان عبدالرحمن 2013)، حيث يميز بطليموس في الديانتين اليهودية والمسيحية بين ثلاثة آلهة: 1. إله الحق والرحمة الذي هو إله المسيحية، و2. إله الشر وهو الشيطان، و3. إله ثالث يكون بين إله الحق والرحمة من جهة، وإله الشر أو الشيطان الرجيم من جهة أخرى، لم يتشبع بالرحمة كلياً ولا بالشر كلياً، هو "إله العهد القديم"، إله اليهودية عند بطليموس الذي أوحى بالتوراة إلى موسى. إنه إله "لا عادل ولا ظالم" كما يقول بطليموس (والترجمة لي) "5.7. فإذا كان الإله الحق إلهاً رحيماً عادلاً بطبعه ـ وهو إله رحيم عادل بطبعه ـ لأن المخلص كان يسمي الإلهَ الحقَّ الرحيمَ "أباه"، وهو الإله الذي أراه بنفسه ...؛ وإذا كان الإله ذو الطبيعة المتناقضة إلهاً شريراً وظالماً، فإن الإلهَ الموجودَ في الوسط، والذي ليس عادلاً ولا ظالماً، الإلهُ الذي يمكن إطلاق اسم "العدل" عليه، الإلهُ الذي يجازي الإحسان بقدره". وهذا الإله حادثٌ وليس قديماً مثل إله المسيحية: "6.7. إن هذا الإله [الذي في الوسط] أَقَلُّ مرتبةً من الإله الحق الكامل، وعدلَه أقلُّ من عدل الإله الحق، لأنه حادث وليس بقديم! إن الإله الحق ـ الآب ـ قديمٌ، وكلُّ شيء يحتاج إليه، لأن كل شيء صدر عنه. وإنه [الإلهُ الحق]، كذلك، أكبر من العدو [الشيطان]، وأَقْوَمُ منه. إن للإله الحق ذاتٍ أخرى غير ذات الاثنَيْن الآخَرَيْن [الإله الذي في الوسط والشيطان]، وطبيعةً أخرى غير طبيعتهما".

[16] عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.

[17] عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.

[18] المعجم الوسيط. (مادة علم، صفحة 624).

[19] بالإضافة إلى هين الأصلين، ثمة أصل ثالث ذو معنى متصل بهما هو الـ (Profanism): (قارن الإنكليزية: Profanism؛ الفرنسية Profanement؛ الألمانية Profanismus والهولندية Profanisme). إن مصطلح profanism مشتق من اللاتينية profanus المتكون من fanum التي تشير إلى المكان الذي يكرَّسه الكهنة للمعبد المقدس، ومن pro "قبل؛ أمام". وتشير اللفظة في أصلها القديم إلى كل ما يكون خارج المكان المقدس (= المعبد) ومخصصص للاستعمال العام، بما في ذلك كل ما يُخْرَج من المكان المقدس ويُدْخَل في الاستعمال العام مثل لحوم القرابين التي تقرَّب في المعبد ثم تعطى صدقة للناس خارجه. وهذا اللفظ قديم قدم الديانات وهو موجود في اللاتينية منذ بداياتها وفي الإنكليزية منذ استقلالها لغة جرمانية .. ومنه اشتق الفعل اللاتيني profanare للتعدية ليؤدي معاني مثل: "عَلْمَنَ" أي جعله دنويا، ومثل "حرَمَ" من القداسة، و"أخرج من الكهنوت" وجعله من العامة وبالجملة: إخراج الشخص من جملة المقدس وجعله عاميا، والشيء من الاستعمال الديني (مثلا الأرض/البناء) وتخصيصه للاستعمال الدنيوي. وكان أوائل النصارى يستعملون الصفة profanus للتدليل على الهراطقة والزنادقة وكل ما يعتبر من وجهة نظرهم نجسا. أما اليهود فيريدون به "التجديف" ذلك أن نطق اسم (يهوه) محرم على اليهود على اليهود، لذلك يعتبرون التلفظ به ضربا من الـ profanism مما يدل على أن المراد بهذا الاستعمال أيضاعلى التجديف لأن التلفظ باسم (يهوه) تجديف في الشريعة اليهودية.

[20] هيرمان ديلاي:"العلمانية والدين"De Ley Herman, 2007))، الصفحة 1-2.

[21] انظر: http://www.etymonline.com/index.php?term=lay.

[22]أو "الأبدية" كما توهم مترجم العهد القديم إلى العربية الذي ترجم العبارة גַּם אֶת-הָעלָם, נָתַןבְּלִבָּם بـ "وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ" ليجعل مجمل الآية غير واضح. انظر Klein E. (1987) مادة עולם (صفحة 473).

[23]هيرمان ديلاي:"العلمانية والدين"De Ley Herman, 2007))، الصفحة 2.

[24] نشير في هذا السياق إلى أن ملكة بريطانيا هي "رئيس الدين" فيها أي أنها أعلى سلطة دينية في البلد، وأن ستة وعشرين مقعدا من مقاعد مجلس العموم البريطاني يملؤها ستة وعشرون أسقفا من الأساقفة البريطانيين وذلك بغض النظر عن الحكومات البريطانية المتعاقبة. يسمى هؤلاء الأساقفة المقيمون دائما في مجلس العموم البريطاني: "Lords Spiritual". انظر Bown, F. (1994)، الصفحة 105-119.

[25] انظر معجم روببر الكبير للغة الفرنسية. (Le Grand Robert)، المجلد 5، الصفحة 915. ويذكر جان بوبريوتفي "ولادة مصطلح اللائيكية في الغرب" أن أول ظهور للمصطلح كان في معجم صدر في أجزاء واكتمل سنة 1887، وضعه الفرنسي الحائز على جائزة نوبل فرديناندبويسون (Ferdinand Buisson, 1982-1987). انظر Baubérot, J. (1996) ، صفحة 13. وهذا يناقض ما جاء في معجم روبيرت الكبير وهو أهم مرجع للغة الفرنسية.

[26]وهذا ما يفسر حدة الموقف الفرنسي من حجاب المسلمات في المدارس الفرنسية، بينما لا يشكل ذلك مشلكة على الإطلاق في المدارس البريطانية على سبيل المقارنة.

[27] لم ترد كلمة (علم) بفتح العين بمعنى (العالم) في المصادر العربية القديمة لأنها كما تقدم مستعارة من السريانية. وأول معجم عربي أوردها هو محيط المحيط للبستاني (1870 كما تقدم. وقد وردت كلمة (علم) بفتح العين بمعنى (العالم) أيضًا في (المعجم العربي اللاتيني) لفرايتاغ (Freytag G. W. 1830-1837) حيث جاء في مادة (علم): عَلم:creatae, mundus. وأوردها هكذا من بعده كازيميرسكي في معجمه العربي الفرنسي (Kazimirski A., 1860). انظر مادة (علم)

[28] يلاحظ أن أداة التعريف في الآرامية الفصيحة وكذا في السريانية القديم هي ألف المد وتكون آخر الكلمة. والسريانية مثلها في ذلك مثل الحميرية التي تجعل أداة التعريف ـ وهي النون - في آخر الكلمة أيضًا (مثلا: ذهبن = الذهب)

[29] انظر (Klein E.: 1987) مادة עולם (صفحة 473).

[30] وهذا بيان آخر للمتخصصين في اللغات الجزيرية وفقهها: لو كانت السريانية (ܥܠܡܐ: عَلْما) من الموروث الجزيري المشترك لكان مقابلها العبري من ذوات السيغول (حركة عبرية ممالة نحو الكسر)، ذلك أن كل كلمة سريانية على وزن /فَعلا/ يجانسها تأثيليا في العبرية /فِعِل/ بإمالة الفاء والعين نحو الكسر، ويجانسها في العربية /فعل/ على وزن كلب (قارن العربية /كلب/ والسريانية /كلبا/ والعبرية كِلِب). وهذا دليل صرفي وتأثيلي على عدم كينونة الكلمة السريانية (ܥܠܡܐ: عَلْما) من الموروث الجزيري المشترك وأنها أي (عَلم) في العربية دخيلة من السريانية.

[31] من المعلوم أن الدروز أيضًا يميزون بين (العقال) وهم الخاصة و(الجهال) وهم العامة.

[32] هذه الحقيقة اللغوية التاريخية نبّه عليها أيضًا المستشرق المعروف برنارد لويس في كتابه "أين الخطأ" (برنارد لويس 2009 ص 159).

[33] انظر: http://www.etymonline.com/index.php?term=lay.

[34] انظر بشأن مادة (ܥܠܡܐ: عَلْما) كلا من: Goshen-Gottstein M.H. (1970) صفحة 58؛ وBrockelmann C. (1928) مادة ܥܠܡܐ وكذلك Brockelmann C. (1925) المختارات الأدبية (Chrestomathie) وكذا مادة ܥܠܡܐ في المسرد.

[35] جاء أيضا في الصفحة 3 من كتاب "لغة الإسلام السياسية" للمستشرق برنارد لويس (Lewis B., 1988) بخصوص دخول مصطلح "علمانية" في الاستعمال ما نصه:"في القرن التاسع والقرن العشرين، وتحت تأثير الأفكار والمؤسسات الغربية، نشأت مصلحات جديدة في الإسلام للدلالة على مفهوم تيار الدنيوية، في اللغة التركية أولاً، ثم في العربية ثانيًا. ففي التركية استعمل المصطلح "لاديني" [ladini] أولا، ثم غيّر فيما بعد إلى "لايك"[layk] المستعار من اللغة الفرنسية. أما في العربية فقد أخذ القوم الكلمة عن الاستعمال اللغوي للنصارى العرب. فلقد اشتق النصارى العرب، في استعمالهم اللغوي المخصوص بهم [والتوكيد لي] كلمة "عَلماني" [‘alamani] من "عَلم"، ثم أعيد تشكيل الكلمة لتصبح "عِلماني" [‘ilmani] من "عِلم".

[36] كان ساويرس ابن المقفع يعرف في المصادر الإسلامية باسم "أبى البشر ساورى ابن المقفع"، وهو حبر قبطي مارس، فيما مارس، وظيفة كاتب الدولة أيام حكم الأسرة الإخشيدية.ـ

[37] ساويرس ابن المقفّع (92:1978).

[38] عنوان المعجم بالفرنسية: ElliousBocthor (1828-1829), Dictionnaire français-arabe. Revu et augmenté par Caussin de Caussin de Perceval. Paris (3° édition, 1864).

[39] انظر الحاشية رقم 17.

[40] انظر بطرس البستاني (1987)، ص 62. مادة (علم). وقد يكون البستاني اعتمد أيضًا على كتاب رفاعة الطهطاوي (رفاعة الطهطاوي، 1993)

[41]ومن المثير للانتباه أن عبدالله البستاني صاحب معجم (البستان – صدر سنة 1927) ـ وهو مثل معجم محيط المحيط لبطرس البستاني حجما ومادة، ذكر العَلم بفتح العين بمعنى العالم ولم يذكر (علماني). وهذا مثير للتأمل لأنه يعني أن اللفظة في سنة 1927 لم تكن موطنة في العربية (باستثناء الاستعمال اللغوي الخاص بالنصارى العرب كما تقدم). عبدالله البستاني (1927). مادة (علم).

[42] انظر Dozy R., 1881))، المجلد الثاني صفحة 165. مادة (علم).

[43] انظر غزلان إدوارد (Gasselin Edouard, 1886) مادة Laïque.

[44] ويظهر مِمَّا كتبه رفاعة الطهطاوي (رفاعة الطهطاوي 1993 ج. 2 ص. 256) في الفصل الثاني عشر تحت عنوان "دين أهل باريس" أنه ترجم الفرنسية laïque إلى "العامة" في مقابل القساوسة. يقول: "ومن الخصال الذميمة: أن القسيسين يعتقدون أنه يجب على العامة أن يعترفوا لهم بسائر ذنوبهم ليغفروها لهم، فيمكث القسيس في الكنيسة على كرسي يُسمّى كرسي الاعتراف". وهذا هو المعنى الأصليّ للكلمة الفرنسية. والطهطاوي ذو ثقافة إسلامية، لذلك استخدم كلمة "العامة" - ومفردها "عامّي" - لتدلّ على عموم المنتسبين إلى الديانة الكاثوليكية مِمَّن ليسوا في السلك الكهنوتي. ومثل هذه الدلالة ليس لها وجود في الدين الإسلامي كما هو معلوم لعدم وجود كهنوت أصلا). وقد يكون غزلان إدوارد اطلع على كتاب الطهطاوي واستساغ مصطلحه أكثر من "علماني".

[45]هيرمان ديلاي:"العلمانية والدين"De Ley Herman, 2007))، الصفحة 12.

[46]هيرمان ديلاي:"العلمانية والدين"De Ley Herman, 2007))، الصفحة 3.

[47] عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.

[48] انظر برنارد لويس (Lewis B., 1988)، صفحة 3.