19 | 11 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

المرجعية اليهودية – المسيحية للمترجم في توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني الأصيل/د.عبد الرحمن السليمان

المرجعية اليهودية – المسيحية للمترجم في توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني الأصيل

أ.د. عبدالرحمن السليمان


ملخص المقالة

تعالج هذه الدراسة دور المرجعية الكتابية (اليهودية – المسيحية) للمترجم في توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني المترجم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية (يهودية – مسيحية)، وبالتحديد دور المصطلحات والمفاهيم العبرية والآرامية في تحديد المرجعية الدينية والفكرية للغات التي يتحدث بها المؤمنون بالديانتين اليهودية والمسيحية المتلقين لترجمة النص القرآني.

وتشخص الدراسة توظيف المرجعية الكتابية في توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني في اللغات التي يتحدث بها المؤمنون بالديانتين اليهودية والمسيحية المتلقين لترجمة النص القرآني، وتناقش إشكاليات التوظيف الموضوعي وغير الموضوعي لهذه المرجعية عند ترجمة القرآن الكريم.

وتناقش الدراسة أخيرا ترجمة بعض المصطلحات والمفاهيم الدينية الرئيسة مثل لفظ الجلالة والزكاة وتقترح في نهاية الدراسة منهجا لترجمة القرآن الكريم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية (يهودية – مسيحية)، يوفق بين الالتزام بسلطة النص الأصلي ولا يغفل مرجعية المتلقي الفكرية.


1. ترجمة النصوص والمفاهيم الدينية

لا شك في أن ترجمة المفاهيم الدينية ترجمة صحيحة ودقيقة أمر في غاية التعقيد والأهمية، وذلك لمن يتوخى الدقة في ترجمتها، ويجتهد في إيصال المعاني إلى قراء اللغة المنقول إليها بدقة متناهية وسلاسة لغوية، حيث يؤخذ فيهما بعين الاعتبار المخزون اللغوي والديني والثقافي للغة المنقول إليها، لأن ذلك شرط لإنجاح الترجمة. والمتأمل في كثير من الترجمات الدينية من العربية إلى لغات ذات مرجعية كتابية (يهودية – نصرانية) يجد أنها على ثلاثة أنواع: (1) ترجمات غير المسلمين و(2) ترجمات المسلمين غير العرب و(3) ترجمات العرب مسلمين أكانوا أو غير مسلمين.[1]

ما يهمنا ضمن سياق هذه الدراسة هو النوع الأول بشكل خاص.

من جهة أخرى، فإن الناظر في الترجمات التي قام بها المسلمون إلى اللغات الأجنبية، يجد أنها على ثلاثة أنواع أيضا:

(1) ترجمات قام بها مترجمون غير متخصصين في الموضوع، بل هم مترجمون عهد إليهم بإنجاز ترجمة دينية ما، فأنجزوها كيفما اتفق، فأتت ترجماتهم مبهمة، وهذه لم يكتب لها حظ من الانتشار، فضلا عن انعدام الفائدة المتوخاة منها.[2] وتعد آثار هذه الترجمات السلبية أكثر من آثارها الإيجابية بكثير.

(2) ترجمات قام بها مترجمون متخصصون في الإسلام ولكنهم غير متخصصين في أديان اللغات المنقول إليها أو معتقدات أهلها غير الدينية أو موروثهم الثقافي، فأتت ترجماتهم حافلة بالملاحظات التفسيرية والشروح والحواشي المطولة، مما جعل انتشارها محدودا، وفائدتها أقل مما يرجى لها.[3]

(3) ترجمات قام بها مترجمون متخصصون في الإسلام وفي أديان اللغات المنقول إليها وفي معتقدات أهلها غير الدينية وموروثهم الثقافي، فأتت ترجماتهم دقيقة ورصينة، مما كتب لها نجاحا وانتشارا كبيرا.[4]

ونحن لا نقصد بالمفاهيم الدينية كل مصطلح يُصطلح على أنه دالّ يدل على مفهوم ديني، بل نقتصر في التعريف هنا على تلك المصطلحات والمفاهيم الدينية ذات الطابع المؤسساتي، مثل لفظ الجلالة، والصلاة، والزكاة والحلال والحرام والحجاب والبكر والثيب والولاية الشرعية والحجر والخلع وغير ذلك من المصطلحات والمفاهيم الدينية التي تشير إلى معتقد إيماني أو حد شرعي ينبغي على المترجم أن يتعامل معها بالدقة المتناهية وذلك للحؤول دون اختلاط المفاهيم. فكما ينبغي على المترجم أن يبحث في أثناء الترجمة عن الحقول الدلالية المشتركة بين اللغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، فإنه يجب عليه في الوقت نفسه الانتباه إلى خطر اختلاط المفاهيم واستعمال كلمات ومصطلحات ذات معان ومفاهيم لها وقع سلبي في ذهن المتلقي. فالذي يترجم "البراق" الذي سرى النبي صلى الله عليه وسلم عليه إلى بيت المقدس بـ Pegasus فإنه يسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام فضلا عن أنه لا يؤدي وظيفة النقل – حتى من الناحية اللغوية – بدقة، ذلك أن Pegasus حيوان خرافي من الميثولوجيا الإغريقية القديمة على شكل حصان بجناحين، وفي ذلك خلط. ومثله يقال في ترجمة "غزوة" بـ inroad، وهذه تستعمل في الإنكليزية لحملات السلب والنهب.[5]

ومن الخطأ كذلك ترجمة (الزكاة) بـ alms أو religious taxes، فالـ alms هي "الصدقة"، والـreligious taxes هي "ضرائب دينية" تفرضها بعض الدول – مثل ألمانيا – على المسيحيين الراغبين في التردد على الكنائس للتعبد فيها، وذلك لقاء قيام تلك الدول بتمويل الكنائس وتعيين قساوسة لها ليقيموا القداس فيها. وهذا خطأ شائع في الترجمة الدينية ناتج عن جهل المترجمين بحقيقة المصطلحات والمفاهيم الدينية في العربية وفي اللغات الأجنبية – خصوصا الغربية منها – بشكل عام. فالزكاة مصطلح مؤسساتي ليس له مكافئ لفظي في اللغات الأخرى، سواء أكانت تلك اللغات من أسرة اللغات الجزيرية (اللغات السامية)، أو من أسرة اللغات الهندية الأوربية أو أية أسرة لغوية أخرى. أي ليس لمصطلح (الزكاة) في الإسلام ما يقابله لغويا ولا دينيا ولا ثقافيا في أية لغة أخرى، وبالتالي فلا بد من نقحرته وشرحه في حاشية شرحا غاية في الإيجاز، ولا تجوز ترجمته إلى الفرنسية أو الإنكليزية بـ alms/aumône كما يفعل بعض المترجمين، لأن هاتين الأخيرتين تؤديان معنى "الصدقة" في الفرنسية وباطراد في الإنكليزية. والزكاة فريضة معلومة بنسبة معلومة تؤدى في أوقات معلومة، وليست صدقة تعطى متى شاء المتصدق وكيفما شاء.[6]

2. إشكالية مرجعية المترجم في توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني الأصيل

1.2. المرجعية الكتابية (اليهودية – المسيحية) للمترجم

ذكرنا أعلاه أنواع الترجمات التي ظهرت من مسلمين وغيرهم، وما يهمنا ضمن سياق هذه الدراسة هو النوع الأول (ترجمات غير المسلمين) بشكل خاص. ويقودنا هذا إلى طرح الإشكالية الرئيسة في هذه الدراسة: دور المرجعية الكتابية (اليهودية – المسيحية) للمترجم في توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني المترجم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية (يهودية – مسيحية) من جهة، والمقاربة المناسبة لتوظيف المرجعية الفكرية الكتابية لتحقيق ترجمة أكثر قدرة على تحقيق التواصل مع القراء المتشبعين بالمرجعية الفكرية الكتابية من جهة أخرى.

من نافلة القول إن الإسلام آخر الرسالات السماوية وأن رسالتين سماويتين سبقتا ظهور البعثة المحمدية دُوِّن الوحي فيهما بالعبرية والآرامية/السريانية وأسستا فيما بعد لتبلور ديانتين مستقلتين هما اليهودية والنصرانية. من هنا فإننا نستخلص أن الإسلام والنصرانية واليهودية أديان تلتقي في كونها (أ) أديان توحيدية تدعو إلى عبادة الإله الواحد وأنها (2) ترى في إبراهيم عليه السلام أول الموحدين الداعين إلى عبادة الإله الواحد و(3) أنها تؤمن بأن الإله الواحد قد عرّف البشرية بذاته العلية من خلال الوحي لأنبياء ورسل اصطفاهم للدعوة إليه و(4) أن الوحي الذي تلقاه الأنبياء والرسل المصطفون دُوّن في كتب سمى القرآن الكريم منها الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن الكريم. إن الإيمان بالإله الواحد الذي عرّف البشرية بذاته من خلال الوحي هو الذي جعل الناس يجمعون على تسمية هذه الديانات الثلاث بالديانات السماوية أو ديانات الوحي، مع فارق أن مفهوم الوحي عند هذه الديانات الثلاث يلتقي في كونه من عند الله عبر أنبياء ورسل دونوه في صحف، ويختلف في طريقة حدوثه. فالوحي في اعتقاد اليهود مقتصر على التوراة أو الأسفار الخمسة الأولى من كتاب العهد القديم، وهو يعني اتصالا مباشرا بين الله والنبي موسى عليه السلام. أما في النصرانية فالوحي في اعتقادهم يعني أن الله وضع الكلم في قلوب الرسل يوحنا ومرقص وبطرس ولوقا وبولص فدونوها بأيديهم أناجيل ورسائل. أما في الإسلام فالوحي يكون عبر ملاك مرسل يكون وسيطا بين الله والنبي.[7]

غير أن الثقافة، أية ثقافة، ظاهرة ذات شكل ومضمون. وإذا ما نظرنا في ثقافات الأمم التي يدين سوادها الأعظم بالنصرانية، رأينا أن شكل الثقافة الغربية إغريقي روماني وأن مضمونها مستمد من الديانة النصرانية من جهة، ومن مجموعة من التيارات الفكرية الفلسفية والعَلمانية والإنسنية التي نشأت في الغرب بعد القرن السادس عشر من جهة أخرى. وإذا ما أخذنا أيضا بعين الاعتبار أن العربية - إلى جانب اليونانية واللاتينية والعبرية – "واحدة من لغات الحضارة الحديثة"[8]، فإننا نستخلص بيسر أن المرجعية الفكرية للمتلقي الغربي بشكل عام هي مرجعية يونانية رومانية يهودية نصرانية إسلامية بدرجات تأثير متباينة.[9] فكيف تخاطب الترجمة هذا المتلقي؟

نلاحظ في هذا السياق أن الترجمات التي قام بها لأهداف مختلفة غير المسلمين من المستعربين والمستشرقين، تطرح أكثر من غيرها إشكالية المرجعية الفكرية للمترجم؛ وهي بالنسبة إلى لغات الأمم التي تدين بالديانات الكتابية (النصرانية واليهودية) إما مرجعية كتابية أو مرجعية علمانية انبثقت جدليا عن المرجعية الكتابية[10] أو مرجعية كتابية - علمانية معا كما ذكرنا أعلاه. ولا شك في أن إشكالية المرجعية الكتابية هي التي تحوم حول توظيفها شكوك بسبب توظيفها في السابق لغايات تفتقر إلى الموضوعية. فلقد أمعن بعض المستشرقين في الماضي في توظيف هذه المرجعية من أجل إثبات أن الإسلام ليس سوى فرقة يهودية وأن القرآن الكريم ليس سوى نسخة من التوراة مؤقلمة مع السياق العربي كما كان عليه زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. ولمحاولة إثبات ذلك كان لا بد من لي عنق النص القرآني وتحوير المعنى كي ينسجم مع هذه القناعة المترسخة في بعض الأوساط الاستشراقية عن الإسلام والقرآن الكريم مما أدى إلى ترجمات غير أمينة، وغير دقيقة، ذلك لأنها تفتقد النزاهة في النقل. نذكر من هذه الترجمات - على سبيل المثال لا الحصر – ترجمة ريتشارد بيل الإنكليزية (Bell, Richard 1937-1939)، وترجمة جاك بيرك الفرنسية (Berque J. 1990)، وترجمة يوسف يوئيل ريفلين العبرية (ريفلين 1987). ولعل أسوء توظيف لهذه المرجعية في العصر الحديث هو عمل المستشرق المجهول كريستوف لوكسمبورج[11] الذي يعتقد في بعض الأوساط أن هذا الاسم وهمي، والمترجم الفلسطيني المسيحي سامي الذيب أبو ساحلية[12] اللذين لا يمكن اعتبار عمليهما عملين علميين لأنهما، أولا وقبلا، بلا ضوابط علمية. وسنتوقف عند توظيف العبرية والآرامية وخلفيتيهما الدينية في ترجمات القرآن الكريم كي تتضح هذه الظاهرة، وسنناقش ذلك أدناه بناء على الترجمة العبرية ليوسف يوئيل ريفلين وكتاب كريستوف لوكسمبورج (القرآن الكريم مؤسس وفقا لقوالب سريانية)، لأن هذين العملين يجمعان – بطريقة أو بأخرى – طائفة من الأحكام المسبقة فيما يتعلق بأصل الإسلام، وأن الإسلام ليس سوى فرقة يهودية وأن القرآن الكريم ليس سوى نسخة من التوراة مؤقلمة مع السياق العربي، وأنهما - أي الإسلام والقرآن الكريم – متأثران أيضا بالديانة النصرانية غير القانونية.

2.2. التوظيف الموضوعي للمرجعية الكتابية

نقصد بالتوظيف الموضوعي للمرجعية الكتابية اعتبار الإسلام والنصرانية واليهودية ديانات توحيدية خرجت من بوتقة واحدة دُوِّن الوحي فيها بلغات تعود إلى أصل واحد هي العربية والآرامية والعبرية. ويجعل هذا الاعتبار توظيف المرجعية الكتابية في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات ذات الإطار الكتابي أمرا سائغا من حيث المبدأ لولا أن تطورات كثيرة طرأت على المفاهيم اللغوية والمصطلحات الدينية في تلك الديانات مما أحدث فروقات مفاهيمية كثيرة بينها. وسنمثل على ذلك بناء على المفهوم المؤسس للديانات السماوية التوحيدية أي على مفهوم الإله المعبود بحق في تلك الديانات للتدليل على التعقيد في إشكالية ترجمة المفاهيم الدينية المؤسساتية. ونتوقف قبل الحديث في الترجمة عند اشتقاق لفظ الجلالة وعند مفاهيمه عند ديانتي أهل الكتاب اليهودية والنصرانية.

الجذر الأول: /إل+ل/. الأكادية: /إِلُّم/؛ العبرية אל = /إِيل/؛ الفينيقية والأوغاريتية: /إلّ/؛ السريانية: ܐܠܐ = /إيلا/؛ العربية: /إلٌّ/ وهو الله سبحانه وتعالى (انظر معنى /إلٍّ/ في الآية الكريمة: }لا يرقبون في مؤمن إِلًّا ولا ذِمة{. سورة التوبة الآية 10. وكذلك معنى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما تُلي عليه بعض من كلام مسيلمة: "إن هذا لشيء ما جاء به من إلٍّ").[13] ويؤنث هذا اللفظ في العربية وفي اللغات الجزيرية على /إِلَّة/ التي منها جاء اسم الصنم "اللات". ومنه اسم مدينة "بابل" بالأكادية: /باب إِلِّيم/ أي "باب الآلهة". ويرد الاسم في العبرية كثيرا في أواخر الأسماء مثل إسماعيل وميكائيل وإسرائيل، وورد في العربية في أسماء مثل ياليل وشرحبيل.

الجذر الثاني: /إل+ه/. العبرية: אלוה= /إِلُوَه/ (elōah)، وانحراف اللفظ في العبرية مصدره انقلاب ألف المد قبل حروف الحلق إلىōa. (وهذا اللفظ نادر الورود في التوراة بالمفرد وهو كثير الورود فيها بصيغة الجمع هكذا: אלהים = /إِلُوهِيم/؛ الآرامية والسريانية ܐܠܗܐ = /إلاها/ "الإله"، والألف نهاية الكلمة الآرامية/السريانية للتعريف؛ العربية: /إله/، /إلاه/. وأصل لفظ الجلالة "الله": الإله. وحذفت الهمزة وفخمت اللام في اللفظ للتوكيد الشديد على تفرد اللفظ للدلالة على الإله المعبود تمييزا للاسم من غيره من الأسماء التي تطلق على الأوثان. ومن ثم استعمل للعلمية.

أما "يهوه" فهو اسم الإله المعبود في العبرية حسب التوراة. ولأن لفظه محرم على اليهود فإن أحدا لا يعرف كيف يلفظ؛ ويشار إليه في العبرية بـ هاشِّم" أو "أدوناي" (= الاسم، الرب)، ويشار إليه في أدبيات الكتاب المقدس بـ Tetragrلmmaton (من اليونانية: Τετραγράμματον أي "الأحرف الأربعة"). وأما God/Dieu/Theos في اللغات اليونانية واللاتينية (ومنها الفرنسية) والجرمانية فليست أعلاما بل كلمات للدلالة على الإله عموما. ودأب أتباع الديانات السماوية في الغرب على رسم فواتح هذه الكلمات بالأحرف الكبيرة تمييزا للإله المعبود بحق عندهم عن الأوثان، تماما مثلما ميز العرب ذلك بإضافة الألف واللام إلى "إله" بعد حذف همزتها وتفخيم لامها. والفرق بين الطريقتين هو أن التمييز في العربية يكون نطقا وكتابة، أما في اللغات الأوربية فيكون كتابة فقط إذ لا تمييز في النطق فيها بين أحرف صغيرة وكبيرة.

من جهة أخرى، طرأ تغيير كبير في مفاهيم الإله المعبود في الديانتين اليهودية والنصرانية بحيث أصبح ثمة شرخ بين التجانس اللغوي التأثيلي الواضح من القرابة اللغوية بين اللغات الجزيرية كما تبين أعلاه من جهة، وبين "التوازي الديني" إن صح التعبير، حيث تدعو الديانات السماوية في الأصل إلى عبادة الإله الواحد المعبود بحق من جهة أخرى. ففي المسيحية ظهر مفهوم الثالوث المقدس الرامي إلى وجود إله واحد بثلاثة أقانيم: الإله الأب والإله الابن والروح القدس. ويشار إلى الإله الابن باسم God-Man للدلالة على يسوع، ومعناه "الإله الانسان" للتدليل على اتحاد طبيعتي الناسوت واللاهوت في شخص يسوع في العقيدة النصرانية. وفي اليهودية تعرض لفظ (إِلُوهِيم/אלהים) العبري الدال على الإله المعبود في أسفار التوراة والعهد القديم إلى تطور دلالي متنوع فضلا عن كونه جمعا لـ אלוה /إِلُوَه/ كما ذكرنا أعلاه. والذي يترجم لفظ الجلالة (الله) في العبرية بـ /إِلُوهِيم/ وكذلك الذي يترجم /إِلُوهِيم/ في العربية بلفظ الجلالة (الله) إنما يذهب في ذلك مذهب الاصطلاح دون أن يكون توخي الدقة في الترجمة هدفه الرئيس. وممن فعل ذلك أيضا ريفلين في ترجمته للقرآن الكريم في العبرية (انظر 1.3.4.). والمشكل – ببساطة شديدة – يكمن في أن الاسم אלהים /إِلُوهِيم/ الذي يرد في أسفار العهد القديم على أنه الاسم الدال على الإله المعبود بحق عند اليهود، يرد في تلك الأسفار أيضا للدلالة على على آلهة متعددة وأوثان استعار قدامى اليهود عبادتها عن أمم مجاورة مثل عشتار وبعل وغيرهما .. وقد شكَّل ذلك منذ البداية مشكلة لاهوتية عويصة لعلماء التوراة من النصارى واليهود، ففسروا /إلوهيم/ على أنه "جمع جلالة" (pluralis majestatis). غير أن التفسير المنطقي الوحيد لهذه المشكلة اللاهوتية العويصة يجب أن يُبحَث عنه في ارتداد بني إسرائيل إلى الشرك بعد عبادتهم العجل في سيناء، لأنهم كانوا على التوحيد على زمان النبي إبراهيم عليه السلام، واستمروا عليه حتى زمان النبي موسى عليه السلام، ثم ارتدوا في سيناء، ثم عادوا إلى التوحيد من جديد، وهذا كله موجود في التوراة التي بأيدينا اليوم وبالتحديد في سفر الخروج. وبما أن التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام قد جرى تغيير على نصها الأصلي، وأن نص التوراة الحالي تم تقنينه - بإجماع أحبار اليهود والنصارى - بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، فإن شيئا لا يحول دون الاعتقاد أن اليهود تشبعوا بالشرك في بلاد بابل وآشور إبان السبي البابلي، خصوصا وأنهم كانوا ارتدوا إلى الشرك في حياة موسى عليه السلام، حينما كان على الطور في سيناء، فما الذي يمنع من ارتدادهم إلى الشرك بعد موته بألف عام؟ إن تشبعا بالشرك كهذا الذي نراه ونعتقده هو الذي جعلهم يجمعون اسم الإله المعبود عندهم على /إلوهيم/، إذ لا يعقل أن يُعتَقَد أن جمعا كهذا كان على أيام موسى عليه السلام. فمن الثابت قطعا لا تخمينا أن النص العبري للتوراة كان في مرحلة ما إبان السبي البابلي يورد الأفعال التي كان جمعُ الإله على /إلوهيم/ يرد فاعلا لها بصيغ الجمع على غرار ما يعرف بالعربية بلغة "أكلوني البراغيث" التي كانت متبعة لدى بعض القبائل العربية، وأن الصفة في العبرية تتبع الموصوف في جميع حالاته (مثل العربية)، بحيث ينعت المفرد بالمفرد والجمع بالجمع - كما سيتبين لنا من المثالين التاليين.

جاء في سفر التكوين، الإصحاح العشرين، الآية الثالثة عشرة: הִתְעוּ אתִי אֱלהִים מִבֵּית אָבִי. النقحرة: هِتْعوا أوتي إلُوهِيم مِبَيْت أبي .. الترجمة الحرفية: "وكان عندما أتاهوني الآلهة من بيت أبي".

فورد الفعل هِتْعوا (= أتاهوا) بصيغة الجمع لأن الفاعل هو إلوهيم جمع /إِلُوَه/ "إله". ولو كان هذا جمع جلالة لما استبدلوا باطراد صيغة الجمع في الأفعال الواردة مع /إلوهيم/ بصيغة المفرد على أساس أن /إلوهيم/ لفظ مفرد.

وجاء في سفر تثنية الاشتراع، الإصحاح الخامس الآية الثانية والعشرين: קוֹל אֱלהִים חַיִּים. النقحرة: قُولْ إِلُوهِيم حَيِّيم. الترجمة الحرفية: "قول الآلهة الحية". فنعتت هذه الآية (إِلُوهِيم) بـ (حَيِّيم)، وهذا الأخير جمع مذكر سالم في العبرية وهذا محال في "جمع الجلالة".

فكيف تصح ترجمة لفظ الجلالة (الله) بـ /إِلُوهِيم/ في العبرية، أو بالعكس ترجمة /إِلُوهِيم/ بلفظ الجلالة (الله) في العربية؟

إن ما تقدم يجعلنا أمام إشكالية حقيقية. فمن جهة تتجانس هذه الألفاظ لغويا لأن العربية (لغة القرآن الكريم) والعبرية (لغة التوراة وأسفار العهد القديم) والآرامية (لغة الإنجيل وأسفار العهد الجديد الأصلية) لغات ذات أصل واحد تتجانس كلماتها تأثيليا في حالات كثيرة مثل كلمتي (إل/إله) المذكورتين أعلاه، وتفترق عند المعاني الدينية المفهومة من تلك الكلمات المتجانسة تأثيليا كما شاهدنا في تطور المعاني في الكلمتين (إل/إله) المذكورتين أعلاه. وجاء هذا الافتراق في المعاني الدينية نتيجة للتطورات المنفردة التي شهدتها الديانتان اليهودية والنصرانية عبر الزمن. ولن نتوقف عند هذه التطورات في هذه المقالة لأن ذلك يتجاوز الغرض منها كثيرا. لكننا نستنتج أن هذه التطورات تجعل التوظيف الموضوعي للمرجعية الكتابية في أثناء توليد النص الموازي للنص القرآني الأصيل غير ممكن – مبدئيا – لاختلاط المفاهيم كما تقدم.

3.2. التوظيف غير الموضوعي للمرجعية الكتابية

نقصد بالتوظيف غير الموضوعي للمرجعية الكتابية انتفاء الموضوعية لدى المترجم اليهودي أو المسيحي الذي لا يستطيع التحرر من أحكامه المسبقة حول الإسلام وبالتحديد اعتباره الإسلام منبثقا عن اليهودية والنصرانية. إن هذا المترجم المتشبع بالأحكام المسبقة هو الذي يلجأ، بوعي أو بدون وعي، إلى النظر إلى القرآن الكريم من خلال مرجعيته الكتابية وترجمته انطلاقا من مرجعيته الكتابية هذه. وقد أوقع هذا المذهب المترجمين المتشبعين بهذه الرؤية في أخطاء فادحة تعج بها ترجماتهم التي تفتقر إلى العلمية في هذا المجال. وقد أدى هذا الشطط في الترجمات التي تمت نتيجة لرؤية متشبعة بأحكام مسبقة إلى جعل العرب والمسلمين لا يطمئنون إلى هذه الترجمات من جهة، والنظر بعين الريبة إلى كل عمل يقوم به مستعرب ذو خلفية كتابية من جهة أخرى، وبالتالي جنحوا إلى العزوف عن مجرد التفكير في توظيف المرجعية الكتابية (اليهودية – المسيحية) في عملية توليد النصّ الموازي للنصّ القرآني المترجم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية من جهة أخرى.

ونمثل على الأخطاء العلمية في التوظيف المغرض للمرجعية الكتابية بترجمة جاك بيرك (الزكاة) بـ "التطهير". والتطهير والتزكية والبراءة من معاني كلمة زكاة في اللغات الجزيرية، ذلك أن الجذر /زكي/ موجود في أكثر اللغات الجزيرية، ويعني فيها "التزكية/ الطهارة، البراءة". قارن العبرية (זכות = زكوت)، الآرامية (זכותא = زكوتا) والسريانية (ܙܟܘܬܐ = زاكوتا) وكله "التزكية/ الطهارة، البراءة" الخ. فهذا الجذر من الموروث الجزيري المشترك بين اللغات الجزيرية. أما معنى (الزكاة) الاصطلاحي في الإسلام فهو معنى مخصوص بالإسلام فقط وليس له ما يقابله وظيفيا في أية من الديانات واللغات الأخرى. وترجمة المصطلح الإسلامي (الزكاة) بالطهارة خطأ فادح وقد يكون شططا أيضا صادرا عن سوء نية المترجم. وأيا كان، فإنه خطأ ناتج عن توظيف قد يكون معتمدا على المرجعية الكتابية. والأمثلة كثيرة والترجمات القائمة بحاجة إلى تحليل شامل بهدف جرد أخطاء هذه المنهجية.

من جهة أخرى ثمة مشكلة أخرى تنتج عن التوظيف غير البريء للمرجعية الكتابية تتمثل في ظاهرة "أشباه النظائر" (= faux-amis)[14] وهذه ظاهرة نجدها في كل اللغات التي تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة. وهذه الظاهرة موجودة بحدة أكبر بين اللغات الجزيرية. ونمثل على ذلك بـ "رب" و"وثب" فهما نموذجان واضحان لهذه الظاهرة، ذلك أن "رب" في العبرية تعني "سيد" فقط، بينما لها في العربية معنيان رئيسان: "السيد" و"الإله". وعليه فإن /רבי/ربي/رابي/ - بإضافة ياء الملك إليها - تعني في العبرية "سيدي"، ثم أصبحت تستعمل فيما بعد للدلالة على الحاخام اليهودي (بالإنكليزية: rabbi وبالفرنسية: rabbin). وعليه فإن ترجمة /רבי/ربي/رابي/ إلى العربية بـ "ربِّي" يعتبر خطأ نتيجة لكون الكلمتين من "أشباه النظائر". وهذه الحالة كثيرة الورود في اللغات الجزيرية. وأما "وثب" فهو من الأضداد في اللغات الجزيرية لأنه يعني في العربية "قفز"، بينما يعني في اللغات الجزيرية الأخرى "جلس" وبالتالي "سكن" (قارن الأكادية: /وشابُ/ "جلس، سكن"؛ الأوغاريتية: /يثب/ "جلس، سكن"؛ العبرية: ישב = /يَشاب/ "جلس، سكن"؛ الحميرية: /وشب/ "جلس، سكن"؛ الحبشية: /أوسَبَ/ على وزن أفعل "تزوج" بمعنى أن الزواج يؤدي إلى الجلوس فالاستقرار. ومنه: "رأس المثيبة" لرئيس اليهود في الدول الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي وما تلاهما. و"المثيبة": الجالية المقيمة. وهذه الكلمة بهذا المعنى تعريب للكلمة العبرية ישיבה= /يِشِيبا/ بلفظ الباء v، عربها اليهود لاستعمالهم الخاص للدلالة على الجالية المقيمة كما تقدم). إذن يعني "وثب" - في كل اللغات الجزيرية: "جلس" وبالتالي "سكن"، بينما يعني في العربية "قفز، نطَّ". وهذا التضاد يفسر النكتة المشهورة في كتب اللغة والأدب من أن أحد ملوك اليمن قال لعربي من عرب الشمال: (ثِبْ) - وهو يقصد (اِجلسْ) - فقفز ذلك العربي وسقط على رأسه ومات .. فقال الملك: "من دخلَ ظفار حَمَّرَ" أي تكلم بالحميرية لا بالمضرية التي هي عربية عرب الشمال أو عربيتنا نحن. فانظر إلى مدى قد تبلغ خطورة أشباه النظائر هذه، ليس على عملية الترجمة فحسب، بل وعلى الحياة أيضا إذا صحت الرواية!

ونحن إذا أحسنا الظن بجاك بيرك فإنه يمكن لنا اعتبار ترجمته (الزكاة) بـ "الطهارة" – وهو معنى الكلمة في العبرية – خطأ ناتجا عن ظاهرة أشباه النظائر في اللغات الجزيرية كما تقدم حدها والتمثيل عليها، ونحن نميل إلى ذلك.

وبالنظر في الترجمة العبرية لمعاني القرآن الكريم الأوسع انتشارا - وهي ترجمة يوسف يوئيل ريفلين (ريفلين 1987)، نرى أن المترجم صرح في مقدمته بأنه يختار اللغة التوراتية سجلا خطابيا لترجمته[15] ما دام استخدام اللغة العبرية التوراتية وأسلوبها ممكنا. وهذا يطرح مشكلة ذلك أن أسفار العهد القديم هي كل ما تناهي إلينا من لغة عبرية قديمة، وهي بالتالي غير كافية – من حيث الكم على الأقل – للتعبير عن القرآن الكريم لغة وبلاغة. لذلك صرح ريفلين في مقدمته أيضا باللجوء إلى مخزون اللغة العبرية كما كانت تستعمل في العصور الوسطى – أي بعد المرحلة التوراتية بقرون كثيرة.[16] فجاءت ترجمته بلغة عبرية تجمع بين أسلوبين متباينين: الأسلوب التوراتي حتى آخر عصر المشناه (القرن الأول الميلادي)، وأساليب العصور الوسطى. وعلى الرغم من أن الباحث قد يفهم رغبة ريفلين في ترجمة القرآن الكريم بلغة توراتية كلاسيكية على عادة كثير من المستعربين الذين ترجموا القرآن الكريم بلغات فرنسية وإنكليزية وألمانية وهولندية فصيحة، حيث اكتسبت بعدا معياريا بسبب ترجمة أسفار العهد القديم إليها؛[17] وعلى الرغم من الشبهة التي قد تثار في ترجمة القرآن الكريم بلغة ذات سجل خطابي كلاسيكي اكتسب كلاسيكيته من مرجعية كتابية مستمدة من أسفار العهد القديم والعهد الجديد، فإن هذا التقليد قديم في الغرب ولم يشذ عنه إلا في السنوات الأخيرة حيث بدأنا نرى ترجمات للقرآن الكريم ولأسفار العهدين القديم والجديد في اللغات الأوربية المعاصرة التي يستوي في فهمها القارئ المثقف المتذوق للآداب والأعمال الأدبية الكلاسيكية في الإنكليزية والألمانية والفرنسية والهولندية وسائر لغات أوربا الحديثة، والقارئ العادي.

لكن ترجمة القرآن الكريم بلغة عبرية ذات سجل خطابي توراتي مشنائي ليست إشكالية بسبب قصور عبرية التوراة الكمي والنوعي عن أداء معاني عربية القرآن الكريم فحسب، بل بسبب مشكلة أشباه النظائر وتشابك الحقول الدلالية واختلاطها في الألفاظ الجزيرية التي تشترك العربية والعبرية فيها. وهذه المشكلة تواجه المترجم العبري الذي يترجم من العربية إلى العبرية الحديثة لأن المخزون اللغوي التوراتي والمشنائي مندمج في العبرية الحديثة. فالعربية والعبرية والآرامية وكل اللغات الجزيرية تشترك مع بعضها في النسبة العظمى من الجذور الأولية في اللغة وتبلغ عدة آلاف جذر وكلمة.[18] وتتوزع المادة المشتركة على جميع نواحي الحياة البدائية. والقرابة بين اللغات الجزيرية في مجال المفردات ثابته تنظمها قوانين صوتية كثيرة يُرجع إليها في كتب الدراسات المقارنة للغات الجزيرية خصوصا كتاب بروكلمان وكتاب موسكاتي.[19] ونسبة القرابة والتجانس بين جذور الجزيرية قد تكون (أ) مطلقة أي باللفظ والمعنى مثل فعل /كتب/، فهو في كل اللغات الجزيرية من الجذر /ك ت ب/ ويعني فيها "الكتابة"؛ أو (ب) بالتضاد مثل /وثب/ الذي يعني "جلس" في معظم اللغات الجزيرية، ومثل /أبى/ ومعناه في اللغات الجزيرية "وافق، قَبِلَ"، أو (ج) بتغيير طفيف يطرأ على ترتيب الحروف مثل /حَنَش/ في العربية الذي يجانسه /نحش/ في العبرية؛ أو في الحروف ذاتها مثل /قتل/ في العربية الذي يماثله في العبرية /قطل/ – بالطاء. وثمة، وهذا مهم، (د) ألفاظ تطورت بتطور الشعوب الجزيرية الاجتماعي مثل /لحم/ الذي تعني في العربية "لحم" وفي الآرامية والعبرية "خبز".[20]

وعليه فإن توظيف سجل لغوي خطابي قديم للغة جزيرية كالعبرية ينطوي على مزالق لغوية كثيرة لا يسلم منها حذاق المترجمين وجهابذة اللغويين. هذا إذا افترضنا حسن النية في اللجوء إلى مثل هذا التوظيف. إن مجرد نظرة بسيطة إلى ترجمة ريفلين العبرية كافية لاستخراج أمثلة كبيرة عن الأخطاء الترجمية التي أوقعه فيها توظيفه للقرابة اللغوية بين العربية والعبرية دون الانتباه إلى مشكل أشباه النظائر. ونقتصر في التمثيل على ذلك بمثالين من سورة التوبة، الآية 3 حيث ترجم }الحج الأكبر{ بـ החג הגדול /هاحَگ ها گدُول/، والآية 5 حيث ترجم }الزكاة{ بقوله הצדקה /هاصدقه/. وهاتان سقطتان علميتان قبل كل شيء. فكلمة חג /حَگ/ في العبرية التوراتية تعني "عيد؛ مهرجان؛ رقص دائري"، وليس "الحج" بمفهومه الإسلامي. فقد جاءت هذه اللفظة في التوراة بمعاني العيد في مواضع كثيرة منها سفر الملوك الأول (الإصحاح 12 الآية 32) وحزقيال (الإصحاح 45 الآية 21) وغيرهما. وهي كذلك بهذه المعاني في السريانية والآرامية.[21] وأما ترجمة (الزكاة) بـ הצדקה /هاصدقه/ فمثيرة للتأمل لأن ريفلين فطن إلى عدم مجانسة (الزكاة) لمعناها في العبرية أي "الطهارة" – وهو الخطأ الذي وقع فيه جاك بيرك كما تبين أعلاه – فوقع في خطأ مثله بترجمتها بالصدقة، وهو ينحو في ذلك نحو الذين يترجمونها بـ alms/aumône في الفرنسية والإنكليزية على سبيل المثال، وفي ذلك خلط.

1.3.2. كريستوفر لوكسمورج

وتتضمن نية المؤلف في ربط لغة القرآن الكريم بلغة التوراة تلميحا بأن التوراة هي مصدر القرآن الكريم. وهذا التلميح بلغ درجة التصريح في الترجمة الفرنسية التي أنجزها المترجم الفلسطيني المسيحي سامي الذيب أبو ساحلية[22] الذي يثقل ترجمته بحواش يشير فيها إلى المجانسات التأثيلية العبرية للكلمات القرآنية التي لها مجانسات تأثيلية في العبرية. والغاية الوحيدة من ذكره هذه المجانسات التأثيلية العبرية هي الإيحاء بأن العربية من العبرية.[23] وفي ذلك جهل بمبادئ لغوية لسببين بسيطين الأول هو أن المجانسات التأثيلية بين الكلمات العربية والعبرية موجودة أيضا في جميع اللغات الجزيرية. فهي موجودة، كلها أو أكثرها، في الآرامية وفي الحبشية وفي البابلية وفي الأوغاريتية وغيرها من اللغات الجزيرية لأنها من التراث اللغوي المشترك. والثاني: لا يحتج في الدراسات اللغوية التأثيلية بأسبقية التدوين. فالعبرية دونت قبل عربية الشمال، بعكس عربية الجنوب التي دونت بدورها قبل العبرية بقرون .. وهذا لا يعني أن ألفاظ عربية الشمال – عربيتنا – المشتركة مع اللغات الجزيرية الأخرى مستعارة من العبرية لأن العبرية أسبق تدوينا من عربية الشمال؛ لا أعرف باحثا واحدا يقول بذلك. ولو كانت أسبقية التدوين معيارا للحكم لوجب رد الألفاظ العبرية التي تشترك العبرية فيها مع العربية والبابلية إلى هذه الأخيرة لأنها أقدم تدوينا من العربية بألفي سنة، ولوجب رد نصف شرائع التوراة التي بأيدينا اليوم إلى شرائع بابل وعلى الأخص إلى شريعة حمورابي لأنها أقدم تدوينا من التوراة بألف سنة .. بل لقد أثبت نشر الأدب الأوغاريتي بأن كثيرا من المزامير المنسوبة إلى داود عليه السلام – كما هي في العهد القديم الذي بأيدينا اليوم – مستوحاة من أدب الأوغاريتيين الذين يظن بأنهم كانوا عربا حكموا غربي سورية ابتداء من الألفية الثانية قبل الميلاد (مملكة أوغاريت أو رأس شمرا). وتعد ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل في نسبة ألفاظ عربية بعينها إلى هذه اللغة الجزيرية أو تلك لأسباب تتعلق بأسبقية التدوين، ظاهرة لا يشتغل بها عالم أبدا، بل لم يشتغل بها قط سوى بعض الشعوبيين المحدثين في دنيا العرب. وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي في كتابه (غرائب اللغة العربية)[24]، حيث يرد كل كلمة عربية ذات أصل جزيري مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية .. وهذا مذهب غير دقيق لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول الجزيرية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى البابلية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر هو الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة".[25] ثم إن البحث العلمي أثبت أن العربية الشمالية – على الرغم من أنها أحدث تدوينا من سائر اللغات الجزيرية – أقدم من سائر اللغات الجزيرية، بما في ذلك الأكادية التي دونت ابتداء من مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، وذلك لبقائها في الجزيرة العربية – موطن الشعوب الجزيرية الأول – واحتفاظها بخصائص اللغة الجزيرية الأم حتى اليوم. ونستأنس في هذا السياق بقول النحوي السرياني أقليميس يوسف داود مطران دمشق على السريان في كتابه (اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية): "وأشهر اللغات السامية هي العربية والعبرانية والسريانية والحبشية بفروعهن الكثيرة [..] وإنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات الجزيرية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لمن يريد أن يتقن [إتقانا] حسنا معرفة سائر اللغات السامية ولا سيما السريانية".[26] ويضيف: "ثم إننا لا نعتقد أن الآرامية هي أقدم اللغات السامية كما زعم قوم، وأقل من ذلك أنها أقدم لغات العالم كما زعم غيرهم بلا بينة ولا أساس. بل نثبت مع العلماء المحققين أن اللغة العربية هي التي تقرب إلى أم اللغات السامية أكثر من أخواتها".[27] ويقصد أقليميس يوسف داود بالعلماء المحققين المستشرقين الذين قالوا بهذا الرأي الذي ينقله، ونذكر منهم شخولتنز ونولدكة وبرغشتراسر وبروكلمان ورايت ودي لاسي الذين أثبتوا هذه الحقيقة بالدرس المقارن للغات الجزيرية. ولا قيمة ترجى من مناقشة الشطط بله اللاعلمية المطلقة في كتاب لوكسمورج،[28] لكننا نعرض بسرعة لفكرته الرئيسة وهي أن القرآن الكريم كتب بلغة هجينة عربية وسريانية قبل إدخال الإعجام والشكل في الكتابة العربية، وأن المسلمين عندما أعجموا الحروف وضبطوا النطق بالحركات اعتمدوا في ذلك على العربية فقط، وهو ما جعل المفسرين المسلمين يخطئون فهم المعاني الحقيقية للقرآن الكريم! ثم راح يفسر كل كلمة عربية في القرآن الكريم، لها ما يجانسها تأثيليا في السريانية، بأنها يحب قراءتها وفهم معناها بناء على المعنى السرياني لا العربي، علما أنه لا يذكر للقارئ ما الحكمة من مخاطبة القرآن الكريم العرب بالسريانية. وكي نمكن القارئ غير المتخصص من فهم هذا الخلط نستحضر هنا أن الكتابة العربية والسريانية والعبرية لا تحتوي إلا على حروف صامتة مهملة وأن العرب كانوا أول من أدخل نظامي الإعجام والحركات لضبط نطق القرآن الكريم، وقد قام بذلك أبو الأسود الدؤلي.[29] فأخذهما عنهم اليهود[30] والسريان لضبط نطق كتابي العهد القديم بالعبرية والجديد بالسريانية علما أن العبرية كانت وقتها لغة ميتة لأكثر من ألف سنة.

ولفهم منهج لوكسمبورج نمثل بكلمة (لحم) في اللغات الجزيرية، فلقد وردت الكلمة في الأكادية/البابلية كما يلي: /لِيمم/ (وأصلها: لحمم لأن الكتابة المسمارية لا تظهر الحاء) ومعناها: "ذوق"؛ وفي الأوغاريتية: /لَحْم/ "خبز، طعام"؛ وفي السريانية: ܠܚܡܐ = /لَحْما/ "خبز، طعام"؛ وفي العبرية: לחם = /لِحِم/ "خبز، طعام"؛ وأخيرا في العربية: /لَحم:/ "اللحم". يتضح جليا من النظر في هذا الجذر ومن الاستقراء الأولي له أنه يعني في هذه اللغات "الطعام" بمعنى: "مادة الغذاء الرئيسية"، وكان هذا "الطعام" عند أوائل الجزيريين "اللحم" لأنهم كانوا بدوا، والبدوي يصطاد ويشوي ويأكل كما هو معلوم، ولا يزرع القمح أو يعالجه خبزا. وتحول مفهوم هذه الكلمة الدلالي نتيجة لتطور حياة الجزيريين الاجتماعية، فدل عند قوم على "اللحم"، وعند قوم على "الخبز".[31] فالآراميون والعبران تمدنوا قبل عموم عرب الشمال (تحضر عرب الجنوب قبل عرب الشمال بقرون كثيرة)، وانتقلوا من حياة البداوة والصيد إلى حياة الاستقرار والفلاحة، فتطور مفهوم /لحم/ - الذي كان يدل عندهم على المادة الغذائية الرئيسية - من /لحم/ إلى /خبز/ كما يبدو جليا.

والشاهد في هذه الكلمة هو أن هذه اللغات – باستثناء البابلية – لم تكن تدون الأحرف الصائتة في الكتابة قبل أبي الأسود الدؤلي وبالتالي فإن أحدا سوى العرب والسريان لا يعرف كيف كانت هذه الكلمة تنطق لأن الكتابات العربية والسريانية والعبرية ترسمها هكذا (لحم) بدون حركات. من جهة أخرى: تتفرد العربية بمعنى "اللحم" فيها بينما تعني الكلمة في العبرية والسريانية "الخبز".[32] والشاهد هنا هو أننا إذا أردنا تطبيق منهج لوكسمورج الغريب لقرأنا (لحم) العبرية وفق النطق العرب (هكذا: لَحْمٌ) وليس وفقا للنطق العبري لها (هكذا: لِحِم) ولقلنا إن معناها "اللحم" وليس "الخبز" كما يرى أحبار اليهود ونخطئهم جميعا بجرة قلم كما يفعل لوكسمبورج مع علماء المسلمين بناء على استغلال كهذا للقرابة اللغوية بين اللغتين العربية والسريانية .. وهذا خلط لم يهتم به أي باحث في الغرب مستعربا أكان أم من علماء الكتاب المقدس لأنه غير مؤسس على علم. والاهتمام الوحيد بالكتاب كان من بعض وسائل الإعلام لا غير لأن فيه استغلالا للعلم وتوظيفا له للوصول إلى نتائج لا تصمد أمام النقد لضعفها.

كيف نترجم القرآن الكريم إلى لغات ذات مرجعية كتابية؟

1.3. النظرية الغائية في الترجمة

يتمثل الغرض الرئيس من الترجمة في تحقيق التواصل مع الآخر بطريقة مثالية. ونقصد بالطريقة المثالية في هذا السياق ترجمة النص من لغة إلى لغة أخرى ترجمة تشمل نقل المضمون بعناصره اللغوية والثقافية والجمالية بحيث يقدم النص المترجم لمتلقي الترجمة المضمون والشكل الأدبي والعناصر الجمالية التي يقدمها ذلك النص لقارئه في اللغة الأصل. ويتطلب تحقيق هذا الغرض من المترجم مهارات معينة واستراتيجيات مدروسة وتقنيات ترجمة مختارة بعناية. وكلما كانت المهارات الترجمية متوفرة لدى المترجم، كلما تحقق هذا الغرض التواصلي. وهذا يعني أنه ليس في علم الترجمة النظري والتطبيقي شيء اسمه "ترجمة نهائية". ثمة ترجمات كثيرة للنص الواحد يكون النجاح فيها مرهونا بمهارات المترجم واختياراته الاستراتيجية في الترجمة. وقد تكون ثمة عشرات الترجمات لنص واحد ستأتي الواحدة منها دائما مختلفة عن الأخرى. والترجمتان الوحيدتان اللتان لا تختلفان عن بعضهما بعضا واللتان تأتيان متطابقتين كليا مع بعضهما بعضا ومع الأصل، هما الترجمتان اللتان يُسلك في ترجمتهما مسلك "الترجمة كلمة كلمة" (word-for-word translation)، ولهذا المسلك في الترجمة وظيفة مختلفة.

من جهة أخرى: لا ينبغي أن يترجم الشعر خصوصا والأدب عموما إلى لغة أجنبية إلا الناطق بها. وهذا يعني أنه - مبدئيا - ليس على المترجم العربي أن يترجم الشعر إلى لغة كالإنكليزية مثلا، بل على المستعرب الإنكليزي أن يترجمه. فترجمة الأدب بأنواعه لا تكون إلا إلى اللغة الأم؛ وهذا مبدأوقاعدة من قواعد علم الترجمة كما يدرس في جامعات العالم المتطورة. والسبب في ذلك عائد إلى طبيعة الترجمة الأدبية التي تمر عبر ثلاث مراحل: (1) مرحلة ترجمة العناصر اللغوية من لغة إلى أخرى؛ و(2) مرحلة نقل السياق الثقافي للنص من ثقافة إلى أخرى؛ و(3) مرحلة نقل الوقع الذي يحدثه النص الأصلي على القارئ الأصلي بحيث تحدث الترجمة الوقع ذاته على متلقيها.[33] وهذا لا يتأتى إلا لمترجم متمكن من اللغة المنقول إليها، ومطلع على ثقافة اللغة المنقول إليها وعلى الأنواع الأدبية والمذاهب الفكرية السائدة فيها. إن أية ترجمة لعمل أدبي أو ديني لا تمر عبر هذه المراحل الثلاث هي ترجمة تسيء إلى العمل الأدبي المنقول إساءة كبيرة.

ولكننا سنتوقف، قبل الدخول في الموضوع، قليلا عند النظرية الغائية (Skopos Theory) في الترجمة، لوثيق صلتها بالترجمة الأدبية والدينية، ولأهميتها لهذه الأخيرة كما سنرى أدناه.

طوَّر هانس فيرمير (Hans J. Vermeer) النظرية الغائية (أو نظرية الهدف) في الترجمة[34]، وهي نظرية تمكن المترجمين من وضع ترجمات تأخذ بعين الاعتبار النص الأصلي من جهة، والنص الهدف من جهة أخرى، لكنها تركز كثيرا على الغاية المتوخاة من الترجمة (الغاية/الهدف: skopos). وترى النظرية أن هدف الترجمة النهائي هو الذي يحدد للمترجم سلفا الاستراتيجية التي ينبغي عليه أن يتبعها في ترجمته، وليس غير ذلك من عوامل. وقد يكون لترجمة ما عدة أهداف تؤخذ كلها بعين الاعتبار وقت تحقيق الترجمة. وينبغي على الزبون أو رب الترجمة (= initiator) إشعار المترجم سلفا بالهدف (= skopos) أو الأهداف (= skopi) المتوخاة من الترجمة برسالة (=brief ) ترفق مع الطلب كي يتمكن المترجم من اختيار الاستراتيجية المناسبة في الترجمة وبالتالي من تحقيق ذلك الهدف أو تلك الأهداف المتوخاة من الترجمة. وفي حال عدم وجود رسالة من الزبون تحدد هدف الترجمة فإنه ينبغي على المترجم أن يقوم هو بدور الزبون أو رب الترجمة وبالتالي بتحديد هدف الترجمة وبناء استراتيجيته في تحقيقها على هذا الأساس.[35] وتميز النظرية الغائية أيضا بين نوعين من الترجمات: "الترجمات الوثائقية" (Documentary Translations) و"الترجمات الوظائفية" (Instrumental Translations).[36] في النوع الأول يركز المترجم على القيمة التواصلية للنص - أي نص - بحيث يتمكن واضع النص في اللغة المنقول منها، من التواصل مع متلقي الوثيقة في اللغة المنقول إليها وذلك بأخذ جميع العوامل الثقافية للغة المنقول منها بعين الاعتبار. وبعبارة أخرى: يحدد النص الأصلي، وثقافة النص الأصلي، وبنية النص الأصلي وعناصره اللغوية شروط الترجمة هنا، بحيث تأتي الترجمة في اللغة المنقول إليها تعبيرا دقيقا عن النص الأصلي المترجَم. وأكثر ما يكون هذا النوع في الترجمة الأدبية والترجمة الدينية وما كان بحكمهما. أما في النوع الثاني، فإن هدف الترجمة يقتضي نشوء وظيفة جديدة في القيمة التواصلية بين واضع النص في اللغة المنقول منها ومتلقي الوثيقة في اللغة المنقول إليها، تتمثل في احتفاظ النص المترجَم بالوظيفة ذاتها التي يملكها النص الأصلي.[37] وأكثر ما يكون هذا النوع في الترجمة الإدارية والرسمية والقانونية.

وبإسقاط ذلك على الترجمة عموما بما فيها الترجمة الدينية، فإنه ينبغي علينا تحديد الهدف من الترجمة قبل البدء بها. فإذا كان هدف الترجمة لنص إسلامي ما إلى الإنكليزية أو الفرنسية هو توفير مادة دينية للمسلمين الناطقين بالإنكليزية أو الفرنسية، فإنه يمكن للمترجم في هذه الحالة أن ينقحر لفظ الجلالة بالأحرف اللاتينية هكذا: Allah. ولكن إذا نحن ترجمنا نصا إسلاميا بهدف تبليغ غير المسلمين الناطقين بالإنكليزية أو الفرنسية معاني إسلامية معينة - وهذا هدف مختلف كما نرى – فإنه يجب على المترجم في هذه الحالة اتباع استراتيجية ترجمة مختلفة، تأخذ الخلفية الدينية والثقافية والمرجعية للناطقين بالفرنسية بعين الاعتبار. في هذه الحالة يفضل ترجمة معنى لفظ الجلالة بـ God وباطراد Dieu لأن هاتين الأخيرتين هما اللفظتان الدالتان على الإله المعبود في اللغتين الإنكليزية الفرنسية. ومثل ذلك مصطلح "الخلع" على سبيل المثال، فهذا ننقحره في ترجمة موجهة للمسلم الباكستاني، على سبيل المثال، هكذا: Khulc، بينما نترجمه في ترجمة موجهة للفرنسي غير المسلم هكذا: divorce par consentement mutuel أي "الطلاق بالتراضي أو بالاتفاق"، ذلك لأن الخلع في الشريعة الإسلامية يشبه إلى حد بعيد الطلاق بالتراضي أو بالاتفاق في الشرائع الغربية، وهلم جرا. إذن إنه هدف الترجمة هو الذي يحدد لنا مسبقا استراتيجية الترجمة المتبعة وبالتالي النتيجة، وهو ما سنناقشه أدناه.

2.3. التوظيف الغائي لاستراتيجيات الترجمة

بالإضافة إلى إشكالية ترجمة المفاهيم المؤسساتية كلفظ الجلالة والزكاة والصلاة وغير ذلك إلى اللغات ذات المرجعية الكتابية، فإن إشكالية ترجمة القصص القرآنية الموازية لقصص العهد القديم والأناجيل لا تقل تعقيدا عن الإشكالية الأولى وذلك على الرغم من كون القصص أقرب إلى مدارك المتلقي من المفاهيم الدينية التجريدية التي يحتاج فهمها إلى إعمال للفكر لاستيعابها بينما تكفي بساطة عرض القصة لفهمها واستيعاب رمزيتها. وهذا يجعل القصة ورموزها أكثر التصاقا بذاكرة الانسان من المفاهيم الفكرية. وتكمن المشكلة العويصة في ترجمة القصص القرآنية في أن لهذه القصص ما يوازيها من قصص في الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) وأن لبعض هذه القصص في العهد القديم حمولات سلبية تثير لدى القارئ الغربي انطباعا سلبيا عاما.

ونمثل على ذلك بقصة خلق آدم وحواء في القرآن الكريم والعهد القديم. ففي القصتين حدثت المعصية وأخرج آدم وحواء من الجنة إلى الأرض عقابا لهما على المعصية. لكن التوراة (سفر التكوين، الإصحاح الخامس، الآية 5 وما يليها) تجعل حواء سبب الخطيئة، فهي التي أغوت آدم وجعلته يأكل من ثمر الشجرة التي حرم أكل ثمرها عليهما، بينما يجعل القرآن الكريم (سورة البقرة، الآية 35 وما يليها) الشيطان سبب الإغواء ويساوي بين آدم وحواء في الوقوع في المعصية. وقد أدى تحميل اليهود ومن بعدهم النصارى حواء مسؤولية هذه "الخطيئة الأزلية" إلى اعتبار المرأة – ولقرون عديدة – مرادفا للشيطان الرجيم. فأحبار اليهود والمسيحية الأوائل يعتبرون المرأة سبب الخطيئة الأزلية والمسبب المباشر لطرد آدم من الجنة. ومن المعروف أيضا أن العقيدة المسيحية تعتبر الخطيئة الأزلية خطيئة متوارثة لا يتخلص الانسان منها ومن عواقبها إلا بالإيمان بالمخلص وهو المسيح عليه السلام الذي افتدى العالم بدمه وخلصه من الخطيئة الأزلية. وجعل هذا الاعتقاد آباء الكنيسة (كالقديس أغسطين وأنسلموس وترتليانوس وغيرهم) يعتبرون المرأة السبب المباشر في سفك دماء المسيح عليه السلام. فالمرأة هي المسؤولة عن طرد الانسان من الجنة عند اليهود من جهة، وعن صلب المسيح في العقيدة المسيحية من جهة أخرى.[38] ولقد جعل هذا الاعتقاد آباء الكنيسة الأوائل يعتقدون أن المرأة كائن حيواني بدون نفس ناطقة تضمحل وتتلاشى بعد الموت ولا تبعث يوم القيامة. يقول ترتليانوس (160-230) في كتابه "زينة النساء" مخاطبا المرأة: "ألا تعلمين أنك حواء؟ أنت باب الشيطان! أنت مدنسة الشجرة السماوية! أنت أول آبقة من شرع الله! أغويت الرجل الذي لم يكن بمقدور حتى الشيطان إغواؤه .. بسهولة مطلقة أسقطت صورة الله [الانسان]! لقد تسببت فعلتك، التي تستحقين الموت لأجلها، في موت ابن الله على الصليب".[39] ويقول صاحب كتاب "مطرقة الشريرات" - وهو كتاب ينسب تأليفه إلى أحد القسيسين الألمان هينريخ كرامر أو جاكوب سبرينجر صدر سنة 1486 وأصبح دستور محاكم التفتيش في العصور الوسطى في أوربا – عن المرأة: "إن مصدر كل الشرور هو الشهوة النسائية التي لا تُشبع! فتبارك الله العظيم الذي طهر الرجل من بلية كهذه! إن طهور الرجل [اقرأ: المسيح] من هذه البلية كان بفضل استعداده لتحمل الآلام لأجلنا وافتدائنا بدمائه، لذلك وُهب هذا الامتياز".[40]

فهذه قصة تثير لدى القارئ الغربي عموما والمرأة خصوصا انطباعا سلبيا يلقي بظلاله عليهما عند تلقيهما ترجمة القرآن الكريم لأنه يذكرهما بما يعتبرانه سببا في احتقار الثقافة الغربية للمرأة لقرون عديدة. وعليه قس: ففي كثير من القصص التوراتية الموازية لقصص القرآن الكريم أحداث يصعب تصور الحكمة فيها أو حتى العبرة الأخلاقية من روايتها، كقصة إسكار بنتي لوط أباهما ثم مجامعته للحمل منه (سفر التكوين، الإصحاح 19، الآيات 30-38)، أو كذب سارة على الله في مسألة الضحك (سفر التكوين، الإصحاح 18 الآية 15) على سبيل المثال لا للحصر. فأي منهج في الترجمة نتبع تجاه ترجمة هذه القصص المشتركة بين القرآن الكريم وأسفار العهدين القديم والجديد وذات المسار المختلف والعبر الأخلاقية المختلفة؟

سوف نحاول الإجابة على هذا السؤال أدناه.

4. المنهج المقترح لترجمة القرآن الكريم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية

إن الهدف من الترجمة في هذا السياق تحقيق التواصل الأمثل مع المتلقي الغربي من خلال مخاطبة الموروث الديني والثقافي للمتلقي الغربي العلماني والمتدين فكلاهما متشبع بمرجعية ثقافية دينية يهودية نصرانية وإنسنية من عصر التنوير تعين في الفهم المباشر للنص القرآني والقصص الموجود في القرآن والعهد القديم. ولتحقيق هذا التواصل المنشود مع المتلقي الغربي، نقترح لترجمة القرآن الكريم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية تطبيق المنهج التالي.

1.4. فيما يتعلق بالأمور العقدية

الالتزام بسلطة النص الأصلي للقرآن الكريم التزاما تاما مع الرجوع إلى التفاسير المعتمدة لضبط معاني الألفاظ القرآنية وترجمتها بما يقابلها في اللغة المنقول إليها بإعمال تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي (formal/lexical equivalence) في الترجمة. ويقصد بالتكافؤ اللفظي أو المعجمي ترجمة المصطلح في اللغة (أ) بما يقابله معجميا في اللغة (ب)، أي ترجمته ترجمة حرفية ما دام ذلك ممكنا. والترجمة الحرفية في هذا السياق أضمن وسيلة للتعبير عن معنى المصطلح الأصلي، ولكنها ليست دائما بلا تعقيدات إضافية، ذلك أن انعدام هذه الإمكانية - نقصد إمكانية الترجمة الحرفية بلفظة معجمية مقابلة - يفرض علينا اللجوء إلى استراتيجيات وتقنيات أخرى لا نلجأ إليها إلا بعد البحث الطويل في اللغة المنقول إليها. أضف إلى ذلك مشكلة المفردات التي ترد في لغات تربطها بعضها ببعض قرابة لغوية ثابتة (كالعربية والعبرية على سبيل المثال) لكنها ترد فيها بمعان متقاربة كثيرا لكنها مختلفة، والتي يعبر عنها بمصطلح "أشباه النظائر" (انظر الفقرة 3.2.). ومثلنا على ذلك بترجمة (الزكاة)، فنلتزم في ذلك بالمفاهيم الإسلامية وننقحر لفظ (الزكاة) إلى (Zakat) ثم نشرحه شرحا ميسرا في حاشية.

وعلى الرغم من أن تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي يُلجأ إليها عند استحالة التكافؤ الوظيفي أو الديناميكي (functional/dynamic equivalence) مهما كانت الأسباب، فإن اعتمادها باستمرار - أي سواء أكان ثمة تكافؤ وظيفي/ديناميكي أو تقنيات ترجمة أخرى - أكيس للترجمة المعنية لأنه يعبر خير تعبير عن النص الأصلي دون أخذ أي شيء خارج النص الأصلي بعين الاعتبار. وفي حالة استحالة وجود المكافئ اللفظي لمصطلح قرآني عقدي أو غير عقدي (مثلا: الطير الأبابيل) فإننا نقترح إعمال إحدى التقنيتين: تقنية الشرح في المتن (descriptive/self-explanatry translation) - أي في متن الترجمة- أو تقنية النقحرة (transliteration).

وغالبا ما يكون الشرح في المتن ضروريا كي يتم التواصل المطلوب، ذلك أن بعض المصطلحات والمفردات ذات الشحنة الثقافية الطاغية أو الارتباط الثقافي القوي بثقافة ما أو بدين ما أو عقيدة ما متشبع بثقافة مغايرة، لا تفهم بذاتها، ولا بد من شرح مناسب أو توصيف لها كي تفهم وبالتالي كي يتم التواصل المنشود. إن تقنية الشرح في المتن تقنية مهمة جدا وتعد حلا وسطيا لأنها تختزل المسافة البعيدة بين الثقافات المختلفة. وفي الحقيقة كلما بعدت المسافة بين لغتين طبيعيتين ما وثقافتين ما، توقعنا أن تبعد المسافة بين المفاهيم الثقافية والدينية أيضا، مما يجعل الحاجة إلى هذه التقنية أكبر لانعدام إمكانية استعمال تقنيتي التكافؤ الوظيفي/الديناميكي أو التكافؤ اللفظي/المعجمي عند ترجمة المصطلحات العقدية الرئيسة. ونمثل على ذلك بتعبير "الطير الأبابيل" الوارد في الآية الثالثة من سورة الفيل. فلقد ترجم يوسف علي }طيرا أبابيل{ إلى الإنكليزية بـ "أسراب من الطيور" (Flights of Birds).[41] أما ريفلين فترجمها إلى العبرية بـ "سرب عظيم من الطير" (עוף בהמון רב).[42]وأما المستعرب الهولندي كرامرز فقد ترجمها إلى الهولندية بـ "إبل/جِمال طائرة" (Kameelvogels)،[43] وفي ذلك كله ابتعاد عن أصل المعنى.

أما تقنية النقحرة فنلجأ إليها عندما لا تفي تقنيات الترجمة الأخرى بالغرض ولا تحقق الغاية المرجوة في التواصل، أي عندما لا يكون للمصطلح المنقحَر في اللغة الهدف مكافئ وظيفي/ديناميكي ولا مكافئ لفظي معجمي ولا يمكن شرحه في المتن. ولا نلجأ إلى تقنية النقحرة إلا بعد استنفاد كل التقنيات والإمكانيات المتاحة أمامنا، فضلا عن الذخيرة اللغوية للغة الهدف، لأن النقحرة – خارج حالات معينة لا بد منها كما رأينا في حالة (الزكاة) - دليل عجز أكثر من كونها حلا مناسبا لإشكالية الترجمة. أضف إلى ذلك أن النص المترجَم عندما يمتلئ بالكلمات المنقحرة يصبح غير مفهوم لأنه يصعب على المتلقي غير العارف باللغة الأصلية للنص المترجَم فهمه. ثم إن النقحرة، في حين الالتجاء إليها، ليست أمرا بدهيا، ذلك لأن الغرض منها تذوق المصطلح الأجنبي الذي ليس له مكافئ وظيفي/ديناميكي ولا مكافئ لفظي معجمي ولا يمكن شرحه في المتن، ولا فهمه واستيعاب مفاهيمه لتحقيق الغرض التواصلي. والتذوق ممكن فقط عندما تكون اللغات المنقول منها وإليها لغات تربطها ببعضها بعضا علاقة قرابة على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي. ومثل ذلك في العربية كلمة "عَلماني" التي تشكلت في العربية ترجمة مستعارة للكلمة السريانية (ܥܠܡܝܐ = عَلْمايا). فالقارئ العربي يتذوق بدون صعوبة الكلمة السريانية "عَلْمايا" لأن اللغة السريانية أخت للعربية لأن كليهما من اللغات الجزيرية. وإذا عرفنا أن ياء النسبة في العربية يقابلها في السريانية الياء ذاتها /ي/ وأن ألف المد في /يا/ هي أداة التعريف في السريانية، علمنا بسهولة أن الاسم المنسوب إليه في "عَلْمايا" هو: "عَلْم"، وهو "العالم" في العربية والسريانية والعبرية ومعظم اللغات الجزيرية.[44] فالنقحرة يجب أن تتذوق وتفهم وإلا فلا قيمة لها إلا بعد إيفائها حقها من الشرح. وإذا تعذر تذوقها لكون الترجمة في هذه الحالة هي إلى لغات لا ترتبط بعلاقة قرابة لغوية، فإن إيضاح اللفظ المنقحر في حاشية لا بد منه مع التوكيد على أن تقنية الشرح في المتن تبقى أفضل من النقحرة ومن الشرح في حواش لأن الحواشي قد تثقل على القارئ، بينما تبدو عملية الشرح في المتن طبيعية لأن القارئ لا يتوقف عندها لأنه لا يشعر بها أصلا.

2.4. فيما يتعلق بالقصص القرآنية الموازية

نميز هنا بين نوعين من القصص القرآنية الموازية للقصص الواردة في أسفار العهد القديم والجديد: (أ) نوع مواز مجانس نسبيا لقصص القرآن الكريم كقصة الخليقة وقصة يوسف عليه السلام وقصة المائدة، و(ب) نوع مواز لقصص القرآن الكريم أيضا لكنه يحتوي على إشكاليات عقدية أو أخلاقية تثير لدى المتلقي الغربي حساسية معينة وتتسبب لديه في تأثير سلبي على عملية تلقي الترجمة كقصة جماع لوط لبنتيه وهو تحت تأثير الخمر وقصة كذب سارة على الله وقصة مصارعة يعقوب لله وانتصاره عليه، ومثله كثير في أسفار العهد القديم.

وفيما يختص بالنوع الأول: أرى أن تخاطب الترجمة الموروث الديني والثقافي للمتلقي المتشبع بالمرجعية الكتابة اليهودية النصرانية، وذلك لكي يتحقق التواصل على أكمل وجه. فإخبار مثل خلق البرية وقصص مثل قصة قابيل وهابيل وقصة يوسف عليه السلام والمائدة وغيرها قصص متوازية نسبيا ولا شيء يمنع – في رأينا – من مخاطبة الموروث الديني والفكري للمتلقي الغربي في أثناء الترجمة.

أما النوع الثاني: فنقترح تطبيق منهج التكافؤ البراغماتي (pragmatic equivalence) المؤسس على النظرية الغائية في الترجمة بهدف إعمال منهج براغماتي في أثناء الترجمة، نلخصه بما يلي:

لا توجد لغة دينية موحدة في العالم لأن ثمة ديانات مختلفة ولكل ديانة شريعتها ومصطلحاتها ومفاهيمها المخصوصة بها. وفي المواطن التي لا نجد فيها المكافئ الوظيفي/الديناميكي أو المكافئ اللفظي/المعجمي أو المكافئ الثقافي للمصطلح المراد ترجمته، وحيث لا نستطيع أن نلجأ إلى تقنية الشرح في المتن ولا إلى تقنية النقحرة (ولا إلى وضع المصطلح الجديد) لحل إشكالية ترجمة ذلك المصطلح، فإنه لا يبقى للمترجم في هذه الحالة إلا أن يقارب ترجمة المصطلح الشائك مقاربة وظائفية براغماتية واضعا نصب عينيه هدف الترجمة.

إن التقنية التي اصطلحت عليها بتقنية التكافؤ البراغماتي (pragmatic equivalence) استراتيجية ترجمة نلجأ إليها للتوفيق بين عناصر نصية لغوية ومصطلحية مختلفة قد لا يؤدي عدم التوفيق بينها إلى تحقيق ترجمة تؤدي وظيفة التواصل المطلوبة. إن عدم وجود لغة دينية واحدة في العالم لاختلاف الديانات والشرائع الدينية فيه، من جهة، وكون اللغة الدينية استعمالا لغويا خاصا وليس عاما يوظفه المتواصلون في تواصلهم ضمن حالات بيانية فكرية معينة، من جهة أخرى، يجعلان من اللغة الدينية اسما جامعا لطبقات لغوية دينية متعددة تستخدم للتعبير عن حالات بيانية وخطابية دينية مختلفة. وهذا يعني أنه لدينا طبقات لغوية دينية متعددة بعدد الديانات والمعتقدات الموجودة في العالم. لذلك يجب على المترجمين الدينيين - إلى جانب معرفتهم الجيدة باللغتين الدينيتين المنقول منها والمنقول إليها - أن يستحضروا وقت الترجمة عالم المتلقين المتشبعين بخلفيات ومرجعيات دينية أخرى غير مرجعية ديانتهم، وذهنياتهم وطرائق تفكيرهم وتلقيهم وتقبلهم للترجمة، وأن يضعوا أنفسهم مكانهم ويتأملوا في ترجمة النص الذي سيعتمد عليه المتلقون في حكمهم عليه .. من ثمة تأكيد النظرية الغائية في الترجمة أنه ينبغي على المترجم أن يكون على علم مسبق بالهدف المتوخى من الترجمة .. إن هذين العاملين المهمين: استحضار المتلقي من جهة والهدف المتوخى من الترجمة من جهة أخرى، قد يفرضان على المترجم، أحيانا، أن يكون براغماتيا في مقاربته لترجمة هذا المصطلح الشائك أو ذاك، حتى وإن خالفت تلك المقاربة الصواب في الترجمة .. وسنوضح ذلك بناء على المثال التالي.

يجمع المترجمون والمعاجم على ترجمة "صداق/مهر"[45] إلى الإنكليزية بـ dowry وإلى الفرنسية بـ dot. وبالنظر إلى حقيقة المصطلحين الإنكليزي والفرنسي نرى أن الـ dowry أو الـ dot مال أو ما كان بحكمه يقدمه أبو المرأة أو ذووها إليها عشية عرسها، فيقابل – وظيفيا - "الشِّوار" أو "الجهاز" عند المسلمين و"الضوتة/الدوتة/الدوطة"[46] عند النصارى العرب. أما "الصداق/المهر" - وهو مال أو ما كان بحكمه يقدمه الرجل للزوجة - فهو ركن من أركان صحة النكاح في الإسلام، وليس له، بصفته هذه، ما يقابله وظيفيا في الشريعة النصرانية أو في القوانين الغربية الوضعية. إذن لا يمكن اعتبار الـ dowry مكافئا وظيفيا للصداق أو المهر، لا من قريب ولا من بعيد. ومع ذلك فإن جهابذة المترجمين يجمعون على ترجمة الصداق بـ dowry والـ dowry بالصداق، مما يعني أن الأمر عادة أو اصطلاح أو تواطؤ. فنحن ههنا إزاء مصطلحين مختلفين يدلان على مفهومين مختلفين في نظامين شرعيين مختلفين مما يجعل ترجمة dowry بالصداق أو بالمهر خطأ ترجميا، ولكنه خطأ ترجمي شائع فيما يبدو. وأرى أن نجوِّزه لأنه ضرب مستساغ من التكافؤ البراغماتي في الترجمة لأنه يؤدي غرض الترجمة والتواصل. فنحن نعلم يقينا أن ترجمة dowry بالصداق أو المهر غير دقيقة، والمترجمون رأوا رغم ذلك أن الغاية من ترجمة الصداق والمهر بـ dowry هو تحقيق التواصل بطريقة مثلى مع المتلقي .. وأخلص إلى القول إن الشرط الرئيس للتوظيف استراتيجية التكافؤ البراغماتي في الترجمة هو: وجود تكافؤ السياق. وإن الغاية منه هي تحقيق التواصل بطريقة مثلى في مواطن تخفق تقنيات الترجمة الأخرى المذكورة أعلاه في تحقيقه بطريقة مثلى.

يفهم من "تكافؤ السياق" (Context-bound equivalence) التكافؤ الذي يستنبط من سياق اللغة المنقول منها، ومن سياق اللغة المنقول إليها، بحيث يمارس مصطلح ديني ما وظيفة ما، تكافئ الوظيفة الدينية التي يمارسها مصطلح ديني آخر في سياق اللغة المنقول إليها.

ونمثل على ذلك بلفظ الجلالة (الله) في القرآن الكريم، فالوظيفة التي يؤديها لفظ الجلالة في السياق اللغوية والقرآني والإسلامي بشكل عام، تؤديها في اللغات الغربية ذات المرجعية الكتابية الكلمات God/Dieu/Theos في اللغات اليونانية واللاتينية (ومنها الفرنسية) والجرمانية. وتقتضي إعمال تقنية تكافؤ السياق ترجمة لفظ الجلالة بإحدى هذه الألفاظ اليونانية واللاتينية والجرمانية الغربية لأن هذه الكلمات الثلاث تدل على الإله المعبود بحق في اللغات اليونانية واللاتينية والجرمانية. ولا يؤثر ما ذكرنا في مناقشتنا لاشتقاق الألفاظ الدالة على الإله المعبود بحق في اللغات الجزيرية (الفقرة 2.2.) على هذا الاستنتاج، لأننا في حقيقة الأمر أمام موضوعين اثنين: موضوع التأمل الديني في مصطلح ديني ما، وموضوع ترجمة ذلك المصطلح الديني، ولكل من الموضوعين حقيقتهما الجوهرية. وإذا استحالت المقاربة البراغماتية في موضوع التأمل العقدي في مصطلح ما لأن العقيدة هي التي تحدد مفاهيم ذلك المصطلح، فإنها لا تستحيل في الاجتهاد في كيفية ترجمة ذلك المصطلح العقدي بطريقة تؤدي أفضل نتيجة تواصلية مع المتلقي المتشبع بالخلفية الكتابية. إذن هو تكافؤ السياق وليس التكافؤ الوظيفي الديناميكي ولا التكافؤ اللفظي المعجمي فحسب. وتكافؤ السياق لا يعني على الإطلاق محاكاة المرجعية الكتابية بطريقة دائمة أو توليد النص الموازي للنص القرآني الأصيل بلغة ذات مرجعية كتابية من خلال توظيف إطارها المفاهيمي المرجعي في جميع مراحل عملية الترجمة، فهذا لا يجوز في الترجمة المسؤولة لأنه ضرب من الإمبريالية الثقافية. لذلك لا بد من احترام سلطة النص الأصلي والانطلاق منه ثم البحث عن أطر مفاهيمية موازية له في المرجعية الفكرية للمتلقي، وليس تقديم النص الأصلي وتفسيره عبر المنظور الثقافي (الديني والفكري) للغة المنقول إليها. وهذا – بالضبط – ما فعله المترجمون المتشبعون بالأحكام المسبقة عن الإسلام، الذين انبروا لترجمة القرآن الكريم إلى لغات ذات مرجعية فكرية كتابية كالذين ذكرتهم في هذه المقالة. لذلك يمكن اعتبار ترجماتهم هذه ترجمات غير دقيقة المؤدى.

خاتمة

إن احترام سلطة النص الأصلي أو التقيد به لا يؤدي إلى ترجمة مفهومة. وإن محاكاة الموروث الديني الكتابي لمتلقي ترجمة القرآن الكريم في اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية (اليهودية النصرانية) أمر فيه نظر لأسباب عالجتها في هذه المقالة. أضف إلى أن تفسير النص الأصلي عبر المنظور الثقافي للغة المنقول إليها يعتبر إمبريالية ثقافية بامتياز. لذلك لا بد من انتهاج منهج ثالث في عملية توليد النص الموازي للنص القرآني الأصيل هو منهج التكافؤ البراغماتي المؤسس على تكافؤ السياق. وهذا يتطلب من المترجم التي يتصدى لترجمة القرآن الكريم إلى اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية (اليهودية النصرانية) معرفة عميقة جدا في اللغة العربية واللغتين العبرية والسريانية واللغة المنقول إليها، وفي الثقافات والمعتقدات والتيارات الفكرية في اللغة المنقول إليها، مما يجعل عملية ترجمة القرآن الكريم كما أراها عملا جماعيا، وليس عملا فرديا، ومن نافة القول أنه يصعب أن تجتمع معرفة هذه اللغات والثقافات في مترجم واحد.

كما أن الاجتهاد المؤسس على علم متين مطلوب لتحقيق ترجمة إبداعية، فالترجمة ليست عملا آليا كما يتصور أحيانا، ولا عملا جافا وفق قواعد يابسة، بل هي، كما عبّر عنها روبنسون: "تُعنَى الترجمة بالناس، وما يؤدونه، وكيف يرون العالم بعيونهم أكثر من عنايتها بالكلمات المجردة. ويفوق اهتمامُها بالخيال المبدع نظرَها في تحليل النصوص الذي تحكمه القواعد الجامدة؛ فالمترجم أشبه بالممثل أو عازف الموسيقى منه بجهاز تسجيل يخلو من الحياة ويعوزه التفاعل الحي. بل لنا أن نقول إن المترجم - حتى حين يترجم نصوصا شديدة التخصص، وتفتقر إلى الخيال - هو أشبه ما يكون بالشاعر أو الروائي منه بنظام ترجمة آلي".[47]

أخلص إلى القول في هذه الدراسة إن منهج التكافؤ البراغماتي المؤسس على تكافؤ السياق، هو ما أقترحه في عملية توليد النص الموازي للنص القرآني الأصيل في اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية (اليهودية النصرانية). وحتى تتحقق مقاربة مناسبة لترجمة القرآن الكريم إلى تلك اللغات، فإن هنالك ضرورة قصوى لتأسيسها على معرفة عميقة في المصطلح القرآني في اللغة العربية[48] انطلاقا من رؤية إسلامية مدروسة له، ومعرفة عميقة في المصطلحات الدينية في اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية (اليهودية النصرانية)، وخصوصا في العبرية والآرامية والإغريقية واللاتينية، وفي حمولات تلك المصطلحات الدلالية، وفي أطرها المرجعية الفكرية، بالإضافة إلى معرفة عميقة في مذاهب الترجمة، وأن تكون لدى المترجم تجربة في تقنياتها واستراتيجياتها العملية. وأرى أن توظيف هذا المنهج البراغماتي في مقاربة ترجمة القصص القرآنية سوف يساعدنا في تحقيق ترجمات وظائفية في تلك اللغات، خاصة في تلك الآيات التي لها ما يوازيها في اللغات ذات المرجعية الدينية والفكرية الكتابية (اليهودية النصرانية) موازاة غير كاملة، أو في تلك القصص الكتابية ذات الرؤية المختلفة عن رؤية القرآن. (الفقرة 2.4.).





مراجع بالعربية

ابن منظور (بدون تاريخ). لسان العرب. 15 مجلدا. بيروت، دار صادر.

البقاعي، محمد خير الدين (2002). ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية: رينيهخوام, وأندريه شوراكي, وجاك بيرك نموذجا. المصدر:

http://www.quran-c.com/display/DispBib.aspx?BID=16999.

بن شيمش (1971). القرآن. ترجمه من العربية إلى العبرية هارون بن شيمش. تل أبيب.

ترزي، فؤاد حنا (1969). أصول اللغة والنحو. بيروت، دار الكتب.

داود، أقليميس يوسف (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل، مطبعة دير الآباء الدومنيكيين.

رافائيل نخلة اليسوعي (1959). غرائب اللغة العربية. المطبعة الكاثوليكية، بيروت.

ريفلين (1987). القرآن. ترجمه من العربية إلى العبرية يوسف يوئيل ريفلين. دار دفير. تل أبيب.

سارطون، جورح (2010). مدخل لتاريخ العلم. عصر الحضارة الإسلامية. ترجمة د. أحمد الليثي. الرياض.

السليمان، عبدالرحمن (2011 أ). تفكيك مصطلح العلمانية. مجلة ترجمان. المجلد 22. العدد 1. أبريل 2011. مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة. جامعة عبدالمالك السعدي. الصفحة 11-53.

السليمان، عبدالرحمن (2011 ب). إشكاليات التكافؤ الوظيفي عند ترجمة وثائق الأحوال الشخصية: قانون الأسرة المغربي أنموذجا. مجلة ترجمان. المجلد 22. العدد 2. أكتوبر 2011. مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة. جامعة عبدالمالك السعدي. الصفحة 11-66.

السليمان، عبدالرحمن (2012).في ضرورة توظيف علم اللغة المقارن في تأليف المعجم التاريخي للغة العربية. مجلة ترجمان. المجلد 21. العدد 2. أكتوبر 2012. مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة. جامعة عبدالمالك السعدي. الصفحة 11-64.

السليمان، عبدالرحمن (2013). الدراسات الجزيرية المقارنة في العصر الوسيط: أسبابها الثقافية وبواعثها الدينية. قبلت للنشر في مجلة ترجمان. مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة. جامعة عبدالمالك السعدي.

الكرملي، الأب أنستاس ماري (1938). نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها.


مراجع باللغات الأجنبية

Al Buti Sa'id Ramadan (2008). The Jurisprudence of the Prophetic Biography & A Brief History of the Rightly Guided Caliphate. Translated by Nancy Roberts. Revised by Anas al-Rifa'i. Dar Al-fikr, Damascus, Syria.

Aldeeb Samy (2008).Le Coran: texte arabe et traduction française par ordre chronologique selon l'Azhar, avec renvoi aux variantes, aux abrogations et aux écrits juifs et chrétiens, ةditions de l'Aire, Vevey.

Allaithy Ahmed (2014). Qur’anic Term Translation: A Semantic Study from Arabic Perspective. ATI-Academic Publications No 7. Garant. Antwerp.

Alsulaiman A. (2014). De Monotheïstische religies. Leer, praktijk en theologische ontwikkelingen. Garant, Antwerpen.

Augustinus Aurelius (1930). De Genesi ad litteram imperfectus liber. Leiden.

Bell, Richard (1937-1939).The Qur'an. Translated, with a critical re-arrangement of the Surahs. II vols, Edinburgh University Press.

Berque J. (1990). Le Coran, essai de traduction de l’arabe … Paris. Sindbad.

Brockelmann C. (1913). Grundriss der vergleichenden Grammatik der semitischen Sprachen. 2 vols. Berlin, Reutherand Reichard.

Brockelmann C. (1925). Syrische Grammatik met Paradigmen, Literatur, Chrestomathie und Glossar. Berlin. Reuther & Reichard.

Brockelmann C. (1928). Lexicon Syriacum. Hale. Sumptibus M. Niemeyer.

Cohen, D. (1970). Dictionnaire des racines sémitiques ou attestées dans les langue dans les langues sémitiques ..Paris. Mouton. La Haye.

Gordon C.H. (1955). Ugaritic Manual. Rome, Pontificium Institutum Biblicum.

Klein E. (1987). A Comprehensive Etymological Dictionary of the Hebrew Language for the Readers of English. New York.

Kramer, Heinrich / Sprenger Jakob (1520). Malleus Maleficarum. Kِln.

http://books.google.de/books?id=TTg8...page&;q&f=false

Kramers J.H. (1956). De Koran. Uit het Arabisch vertaald door J.H. Kramers. Amsterdam.

Luxenberg, Christoph (2000) – Die Syro-Aramنische Lesart des Koran: Ein Beitragzur Entschlüsselung der Koransprache. Berlin: Verlag Hans Schiler.

Luxenberg, Christoph (2007) – The Syro-Aramaic Reading of the Koran – A Contribution to the Decoding of the Koran. Berlin: Verlag Hans Schiler.

Merx A. (1889). Historia artis grammaticae apud Syros. Leipzig.

Moscati S. (1964). An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Phonology and Morphology. Wiesbaden, Otto Harrassowitz.

Munk S. (1850). Notice sur Abou’l-Walid Merwan ibn Djanah. Journal Asiatique, tom. I.

Nida E.(1964). Towards a Science of Translating. Leiden, Brill.

Nida E., Taber Ch. R. (2003).The Theory and Practice of Translation. Leiden, Brill.

Nord, C. (1997). Translating as a Purposeful Activity. Manchester, St. Jerome Publishing.

Robinson, D. (2003). Becoming a Translator: An Accelerated Course. (An Introduction to the Theory and Practice of Translation).Taylor & Francis Ltd.

Tertullianus (1955). De Cultu Feminarum. Amsterdam, Antwerpen.

Vermeer H. & Reiss K. (1984). Grundlegung einer allgemeinen Translationstheorie. Tübingen.

Versteegh K. & Schippers A. (1987). Het Arabisch. Norm en realiteit. Muiderberg.

Yusuf Ali (1946). The Holy Qur’an. Translation and Commentary by A. Yusuf Ali.

----------------------

الحواشي والإحالات


[1] انظر البقاعي، محمد خير الدين (2002)، الصفحة 3 وما يليها.

[2] وكان هذا النوع من الترجمات موضوعا لأطروحتي ماجستير أشرفت عليهما في جامعة لوفان في بلجيكا. الأولى للطالبة زينة شادي إسماعيل في كتاب "منهاج المسلم" لأبي بكر الجزائري بعنوان "دراسة في ترجمة المصطلحات الدينية من العربية إلى الهولندية" (De vertaling van religieuze terminologie uit het Arabisch in het Nederlands. Een case study) نوقشت بنجاح سنة 2012، والثانية للطالب ليفين تيري (Lieven Thiré) في كتاب "الحلال والحرام" للشيخ القرضاوي بعنوان "دراسة في ترجمة مصطلحات الشريعة الإسلامية" (Case study over het vertalen uit het Arabisch van islamitische wetsterminologie) نوقشت بنجاح سنة 2013. وقد أظهرت الدراستان أن الترجمتين الهولنديتين لهذين الكتابين المهمين أنجزتا بدون أية خطة علمية أو استراتيجية علمية، بحيث امتلأت الترجمتان بالكلمات العربية المنقحرة بالكتابة اللاتينية. مثلا: لفظ الجلالة وكلمات مثل الصلاة والصوم والحج والفرض والركن إلخ تترجم تارة وتنقحر تارة أخرى حسب مزاج المترجم. وهذا موضوع جدير بالبحث في المستقبل في كل اللغات خصوصا في اللغات الغربية.

[3] مثلا الترجمة الإنكليزية لكتاب سعيد رمضان البوطي "فقه السيرة". انظر Al Buti Sa'id Ramadan (2008).

[4] مثلا ترجمة يوسف علي الإنكليزية للقرآن الكريم. انظر Yusuf Ali (1946).

[5] المثالان مأخوذان من الترجمة الإنكليزية لكتاب "فقه السيرة" لسعيد رمضان البوطي. المشاركة رقم 8 على الرابط التالي:

http://www.atinternational.org/forum...ead.php?t=1115

[6] انظر الفقرة 3.2.

[7] انظر Alsulaiman A. (2014).، الصفحات 12-15. ويقول الله عز وجل في كيفية التواصل بين الله وبين خلقه }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ { (الشورى:51).

[8] انظر Versteegh K. & Schippers A. (1987) ، الصفحة 22.

[9] انظر سارطون، جورح (2010)، الصفحة 61.

[10] بخصوص العلاقة البنيوية بين الديانة النصرانية والعلمانية، انظر مقالتنا: تفكيك مصطلح العلمانية (السليمان 2011).

[11] انظر Luxenberg, Christoph (2000) وLuxenberg, Christoph (2007).

[12] انظر Aldeeb Samy (2008).

[13] انظر مادة (ألل) في لسان العرب.

[14] ونمثل على هذه الظاهرة بكلمة actual الانجليزية وكلمة actuel الفرنسية، ذلك أن كلمة actual الإنكليزية تعني"واقعي"، "حقيقي"، "فعلي"، بينما تعني كلمة actuel الفرنسية "حاليّ"، "راهن"، "حاضر". وعليه فإن الترجمة الفرنسية لكلمة actual الإنكليزية هي réel وليس actuel.

[15] ريفلين 1987 الصفحة 7.

[16] ريفلين 1987 الصفحة 8.

[17] ساهمت ترجمة مارتين لوثر للكتاب المقدس إلى الألمانية وترجمة الملك جيمس الإنكليزية والترجمة الهولندية في القرنين الخامس والسادس عشر في توحيد اللغة الألمانية وباطراد الإنكليزية والهولندية وأدت إلى نشوء سجل لغوي كلاسيكي في تلك اللغات وفي سائر لغات أوربا. ينظر إلى هذا السجل اللغوي في المدارس على أنه مرجع كلاسيكي فصيح.

[18] جمع المادة المشتركة في اللغات الجزيرية المستشرق الفرنسي دافيد كوهين في كتابه "معجم الجذور السامية كما هي في اللغات السامية" (انظر David Cohen 1970). وهذا عمل تراكمي شارك في وضعه جيل من المتخصصين في المادة، وهو أهم معجم شامل يعالج المادة اللغوية المشتركة في اللغات الجزيرية. وجمعها في العربية رمضان عبدالتواب وحازم علي كمال الدين في: "معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية". القاهرة، مكتبة الآداب، 2008.

[19] انظر (Brockelmann1913) و(Moscati 1964).

[20] انظر السليمان، عبدالرحمن (2012).

[21] انظر Klein E. (1987). الصفحة 207.

[22] انظر Aldeeb Samy (2008).

[23] وهو بذلك يسير على خطى المترجم اليهودي هارون بن شيمش (بن شيمش، 1970) الذي يذكر في الحواشي لترجمته العبرية للقرآن الكريم ما يوازي محتوى القرآن الكريم من محتوى ديني موجود في أسفار العهد القديم أو في التراث الديني اليهودي من مشناه وتلمود وغيرهما. وهذا من أثر الحكم المسبق الذي نشأ في الغرب في العصور الوسطى عن أصل الإسلام والقرآن الكريم والذي لا يزال أثره حتى اليوم قائما بطرق أخرى تتجلى في صنيع بن شيمش وريفلين وسامي الذيب أبو ساحلية ولوكسمبورج وغيرهم.

[24] انظر: رافائيل نخلة اليسوعي (1959).

[25] انظر (الكرملي 1938) الصفحة 10.

[26] انظر (داود 1896)، الصفحة 10.

[27] انظر (داود 1896)، الصفحة 13.

[28] انظر Luxenberg, Christoph (2000) وLuxenberg, Christoph (2007).

[29] عالجنا موضوع إدخال العرب لنظامي الإعجام والحركات في الكتابة العربية على زمان أبي الأسود الدؤلي واستعارة السريان واليهود هذين النظامين وإدخالهما في السريانية والعبرية في دراسة مفصلة تصدر في مجلة ترجمان الصادرة عن مدرسة الملك فهد العليا للترجمة في طنجة المغرب (السليمان، عبدالرحمن 2013)، فنحيل عليها ولا نثقل على هذه الدراسة أكثر مما فعلنا، وفندنا فيها بالدليل مزاعم من زعم من أن الأسقف يعقوب الرهاوي الراحل سنة 708 هو الذي وضع نظامي الإعجام والحركات وأن أبا الأسود الدؤلي الذي توفي سنة 688 - أي قبل وفاة الأسقف يعقوب الرهاوي بعشرين سنة – هو الذي أخذ هذين النظامين عن الرهاوي.

[30] قال موسى بن عزرا (القرن الثالث عشر): "ولما استفتحت العرب جزيرة الأندلس المذكورة على القوط الغالبين على الرومانيين أصحابها بنحو ثلاثماية سنة قبل فتح العرب لها الذي كان على عهد الوليد بن عبدالملك بن مروان من ملوك بني أمية من الشام سنة اثنين وتسعين لدعوتهم المسماة عندهم بالهجرة تفهمت جاليتنا بعد مدة أغراضهم ولقنت بعد لأي لسانهم وتبرعت في لغتهم وتفطنت لدقة مراميهم وتمرنت في حقيقة تصاريفهم وأشرفت على ضروب أشعارهم حتى كشف الله إليهم من سر اللغة العبرانية ونحوها واللين والانقلاب والحركة والسكون والبدل والادغام وغير ذلك من الوجوه النحوية مما قام عليه برهان الحق وعضده سلطان الصدق على يدي أبي زكريا يحيى بن داود الفاسي المنبوذ بحيوج وشيعته رحمة الله عليه ما قبلته العقول بسرعة وفهمت منه ما جهلت قبل". المصدر: مخطوط ذكره س. مونك (Munk S., 1850) الصفحة 29.

[31] يختلف "الطعام الأساسي" في العربية اليوم باختلاف التقاليد المحلية، فهو عند المصريين "الخبز أو العِيش"، وهو عند المغاربة "الطعام أو الكُسكُس" المصنوع من دقيق القمح الخ.

[32] أما مجيئها في سفر أيوب بمعنى "اللحم" (לחום = /لِحُوم/ "لحم"؛ سفر أيوب الإصحاح 20 الآية 23) فلا يعتد به لأن ثمة توجها في الدراسات التوراتية يعتبر سفر أيوب دون بالعربية أولا ثم ترجم فيما بعد إلى العبرية وذلك لكثر الألفاظ العربية الدخيلة فيه.

[33] انظر Nida E., Taber Ch. R. (2003).

[34] انظر (Vermeer & Reiss, 1984).

[35] انظر (Nord 1997)، الصفحة 30.

[36] انظر (Nord 1997)، الصفحات 47-50.

[37] انظر (Nord 1997)، الصفحة 50.

[38] انظر تفسير القديس أغسطين لسفر التكوين: Augustinus Aurelius (1930).

[39] انظر Tertullianus (1955)، الصفحة 23.

[40] انظر Kramer, Heinrich/ Sprenger, Jakob (1520)، الجزء الأول الفقرة 6.

[41] انظر Yusuf Ali (1946)، الصفحة 1792.

[42] انظر ريفلين (1987)، الصفحة 757.

[43] انظر Kramers J.H. (1956)، الصفحة 631. ولا شك في أن كرامرز ربط بين (أبابيل) و(إبل) ربطا اشتقاقيا وتخيل أن الطير كان على شكل إبل طائرة.

[44] انظر السليمان، عبدالرحمن (2011 أ).

[45] وأسماء "الصداق" عند المسلمين: المهر والصداق والصدقة والنحلة والفريضة والأجر والعلائق والعقر والحباء.

[46] "الضوتة/الدوتة/الدوطة": من الفرنسية dot.

[47] انظر (Robinson 2003) الصفحة 35.[48]

صدر للدكتور أحمد الليثي رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية

(www.atinternationsl.org

عن دار غارنت الأكاديمية في بلجيكا كتاب مرجعي في هذا السياق

الكتاب بالإنكليزية وصدر بالعنوان التالي:

Qur’anic Term Translation: A Semantic Study from Arabic Perspective

"ترجمة المصطلح القرآني: دراسة دلالية انطلاقا من رؤية عربية

Allaithy Ahmed (2014)  انظر في قائمة المراجع الأجنبية