20 | 07 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

حديث في بعض ترجمات نجيب محفوظ

حديث في بعض ترجمات أعمال الأديب

نجيب محفوظ

بقلم


عبد الهادي الإدريسي




يدور حديثنا اليوم على التشويه الذي نحسب أنه لحق أعمال الأديب العالمي نجيب محفوظ من جراء ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، وبالخصوص الترجمات التي أنجزتها السيدة France Douvier Meyer ونشرتها دار Denoël. ونود التأكيد هاهنا بأننا أبعد ما نكون قصدا عن تصيد هفوات السيدة المترجمة. فنحن ندرك من جهةٍ مدى ما يتعرض له المترجم حال إنجازه عمله من ضيق لن نبالغ إن سميناه اضطهادا – وهو ما يعلمه كل من تعاطى هذا العمل المضني – ونحن نقر من جهة أخرى أن السيدة المترجمة قد أبدعت في ترجمة بعض المقاطع فأجادت حتى نازعت الشأوَ محفوظا نفسه. غير أننا لا نملك في مقابل ذلك إلا أن نلاحظ أنها في مقاطع أخرى جانبها الصواب، فانقلب المعنى من كلام المؤلف انقلابا، وذهب ما كان له شكلا من طلاوة ونضارة وماء، وما كان له مضمونا من قوة وإنسانية وعمق.
وسنقتصر في الحديث على بضعة أمثلة من روايتين اثنتين من مجموع ما يفوق العشر روايات مما ترجمته السيدة Meyer للأديب العربي الكبير، هما "السراب" و"ملحمة الحرافيش"، علما أن باقي الترجمات لا تسلم من العيوب نفسها.
أما طريقة العمل التي اتبعناها فتقوم على المقارنة، حيث نقترح ترجمة لكل مقطع سقناه متى استدعى المقام ذلك، مع إعادة ترجمة المقطع المقابل لدى السيدة Meyer إلى العربية، كيما يتبين الفارق بين الأصل والترجمة.

معلوم أن العربية، بانصراف ألفاظها وتعدد إمكانات الاستبدال في حروف كلماتها بل وفي حركات تلك الحروف، تستعصي في الفهم أحيانا حتى على عربيِّ اللسانِ نفسِه. ولنا في كتب الأدب العربي آلافٌ من الأمثلة في ذلك، حيث يكفي أن يلحن المتكلم في نطق لفظة واحدة كي يحسب مخاطَبه الحديثَ يجري غير مجراه، فيفهم منه غير ما أراد قائله. ومثيله أن يلحن القارئ في قراءته فيَفهمَ غير ما أريدَ قولُه له. لذلك فلا يعقل أن نحاسب السيدة المترجمة في مثل ذلك سوى يسير الحساب، اللهم إلا ما كان منه يفضي إلى انقلاب المعنى أو ضياعه، إذ حقُّ المترجم كما هو معلوم أن يجتهد في استخلاص المعنى صافيا رائقا كيما يتأتى له نقله بأمانة. وقل مثل ذلك في المقاطع التي لا شك يتضح له حين صياغتها باللغة الناقلة أنها لا تتسق والسياق العام بَلْهَ الموقفِ الدقيق، فيجمُلُ به عندها أن يتريث حتى يتحققَ مما هو بصدد نقله.

ونستعرض فيما يلي أمثلة في ما ذكرناه، فنبدأ بجانب اجتماعي هام، يتعلق بالمرأة والنظرة إلى المرأة. ونضرب لذلك مثالين اثنين من "السراب" وواحدا من "الحرافيش" تجنبا للإطالة.
ففي حديث لبطل "السراب" عن الخادمة الصغيرة التي جلبتها أمه لتشاركه لعبه وتؤنس وحدته، يقول محفوظ على لسان بطله :
"كانت صبية دميمة، ولكنها كانت أفضل لي من الطاهي الهرم وأم زينب العجوز"
أي ما يمكن اقتراح ترجمة له كما يلي :
C’était une fillette laide, mais elle était toujours mieux que le cuisinier sénile ou encore la vieille Oum Zineb
لكن المترجمة ترى غير ذلك فتقول :
C’était une fille, certes, et elle était laide, mais mieux valait cela que le cuisinier sénile ou la vieille Oum Zineb
أي ما يمكن نقل معناه على وجه التقريب كما يلي :
"كانت فتاة لا شك، وكانت دميمة، غير أن ذلك كان أفضل من الطاهي الهرم وأم زينب العجوز"
واضحٌ أن لفظة "صبية" عند محفوظ جاءت لاستئناف الكلام خبرا لكان، وأنها هي التي تلحَقُها صفةُ الدمامة، وأن هذه الصفة هي التي تجيء جملةُ الناسخ "لكن" لتجيب عليها، بمعنى أن الخادمة، وإن كانت دميمة، إلا إنها كانت أفضلَ صحبةً للصبي من الخادمين العجوزين، نظرا بطبيعة الحال لتقارب سنه وسنها. أي أن الدمامة بتعبير آخر هي الجانب السلبي، الذي يجد مكافئا له في جانب إيجابي متمثلٍ في كون الخادم الجديدة صغيرة السن. لكن ما يفهم من الترجمة هو أن كونها صبيةً يدخل أيضا في السلبيات، ناهيك عن الضمير cela الذي أُبدل من "الصبية" في الجملة، علما أن الفرنسية تخص به غير العاقل، فإذا نعتت به عاقلا فعلى سبيل التحقير حصرا. وفي هذا كله تصرفٌ في النص أباحته المترجمة لنفسها فأضافت من لدنها سمة لا وجود لها في التعبير الأصل البتة.

ومثل ذلك ما نجده في موقف آخر، إذ يزور البطل أباه طمعا في مساعدة منه، لكن الرجل السكير يتصرف وفق ما تمليه عليه شخصيتُه المتسمة بالتهور والتهرب من المسؤولية، فيذهب في الحديث كلَّ مذهبٍ غيرَ الذي جاءه الابنُ من أجله، ومن بين ما يقوله في شِعبة من شعاب كلامه متناولا موضوعَ البنات :
"لذلك أقول بأنه من التعاسة أن تنجب بنات، هذا عار كبير..."
أي تقريبا، منقولا إلى الفرنسية :
Voilà pourquoi je dis toujours que c’est affligeant d’engendrer des filles ; c’est une grande ignominie.
لكن المترجمة نقلت ما يلي :
C’est pour ça que je dis qu’engendrer des filles est une catastrophe, et que les femmes sont une ignominie. »
أي تقريبا :
"لذلك أقول بأن إنجاب البنات مصيبة، وأن النساء خزي وعار."
فأضافت من لدنها إلى النص الأصل ما ليس فيه مطلقا من نعت النساء بأنهن خزي وعار. ولسنا نجد تفسيرا لهذا سوى ما تصر النظرة الغربية إلى مجتمعنا على رؤيته فيه من تحقير للنساء لا نرى له أثرا في النص الأصل – على الأقل – لكن المترجمة تراه. وأشباه هذا كثير في الترجمة التي نحن بصددها كما في غيرها.

ونسوق مثالا طريفا من الحكاية الثانية من ملحمة الحرافيش، حيث يجري الحديث على "عيوشة الدَّلاّلة"، وهي امرأة تمتهن حرفة لا تزال بعض النساء يتعيشن منها في مجتمعاتنا إلى اليوم، ونعني مهنة الدِّلاَلة أو الوساطة التجارية. فتجد مثل هاتيك النساء خاطباتٍ ومفاوضات في صلح أو غيره ووسيطات بين بائعٍ ومشترٍ، خصوصا متى كان أحد الطرفين عاجزا عن ارتياد السوق بنفسه، كأن يتعلقَ الأمرُ بأرملة أو بذات خِدرٍ تضطرها الحاجةُ إلى التعيش من عمل يديها لكنها لا تملك الخروج بعملها إلى السوق تبيعه، فتلجأ إلى مثل هذه المرأة تَعرض عنها البضاعةَ وتشريها عنها وتُقاسِمها الأرباحَ بنسبةٍ متفقٍ عليها. فلفظة الدَّلاَّلة ليس لها عندنا أي محمول قدحي من الناحية الأخلاقية. والدليل أن "الدلالات" يدخلن حتى اليوم بيوتنا جميعا فيبعن نساءنا بضاعتهن ويشاركنهن الكثير من أحاديث النسوة، فلا يجد الرجال من دخولهن البيوت غضاضة. لكن المترجمة تضع في مقابل "الدلالة" لفظة l’entremetteuse، التي لا تحتمل حسب معجم Le Robert الفرنسي سوى معنى واحدٍ وحيد، تعبر عنه العربية بلفظ القِوادة. وما نظن محفوظا كان يُعجزه استعمالُ اللفظِ لو أنه أراد معناه.
فما الداعي إلى إقحام مثل هذا المعنى غير الوارد في النص الأصل إن لم يكن الداعي إليه التحاملُ، حتى لا نرمي السيدة المترجمة بالجهل الصريح...

وعلى بعد بضعة أسطر نجد شمس الدين ينتهر عيوشة كي تكف عن تلميحاتها وغمزاتها له بشأن "ست قمر"، فيقول ردا على سؤال منها :
"عم تسألين يا ولية ؟"
أي تقريبا، منقولا إلى الفرنسية:
Que cherches-tu, femme ?
فتنقل المترجمة :
De quoi te mêles-tu, maquerelle ?
أي بكل بساطة :
"وما دخلك أنت أيتها القوادة ؟"
وكبيرٌ فرقُ ما بين الولية بمعنى المرأة التي لا حول لها ولا قوة، والمقصود هنا التي لا يحق لها التدخل فيما حشرت نفسها فيه، وبين ما أتت به المترجمة من عجيب الكلام.
وغني عن القول ما تدخله هذه التحريفات، بقطع النظر عما ذكرناه، من تشويه على الشخصيات ذاتها. فشخصية شمس الدين لا يمكنها أن تنعت امرأة بهذا النعت مطلقا. وكيف والرجل هو "فتوة" الحارة وحامي ضعفائها من ظلم الأقوياء، والنساء وبخاصةٍ غيرُ المتزوجات منهن يُعددن في العُرف على رأس المستضعفين. ثم إنه يعلم حق العلم أن عيوشة تدخل داره في حضوره وغيبته، وتأخذ وامرأتَه بأطراف الأحاديث تتجاذبانها، فلا يجد من ذلك شيئا. ولو كان يعلم أنها كما تقول عنها المترجمة، أفكان يسمح لها بدخول بيته بله الانفراد بزوجه ؟...
ويطال هذا النوع من التشويه الشخصيات حين يجعلها تتخذ مواقف لا تستقيم وما يرسمه لها مبدعُها من سمات، كما يتبدى ذلك من بعض المقاطع التي تعرض للعلاقة بين الابن وأمه، وهي كما لا يخفى علاقةٌ اجتماعية مركزية أساس، معقدةٌ بقدر ما هي حميمة، يُفرد لها محفوظ في أعماله أوسعَ مكان، فيتفنن في تتبُّع شعابِها ورسمِ خيوطها تفننا ليس وراءه بغيةٌ لطالب. غير أن التشويه الذي يلحقها من الترجمة يجعلها على العكس من ذلك سطحية بل وفِجَّةً كريهةً لا تطاق، فيذهب ببراعة الوصف ودقة التحليل الذي نجده في الأصل. ثم إن شخصيات محفوظ، لا في هاتين الروايتين فحسب بل في رواياته جميعا، تقيم علاقة حميمة بالأم، علاقةٌ قد تتوترُ حتى تبلغَ مبلغَها بين "حسن الروسي" وأمه في "بداية ونهاية"، لكنها لا تنقطع، وقد يصيبها الفتور ويعتور آصرتها الوهن كما هو الحال مثلا بين "حسين كرشة" وأمه في "زقاق المدق"، لكن لا تُداخِلها الضغينةُ ولا تتسرب إليها الكراهية. أما في الترجمة، فإننا نفاجأ بمواقفَ يتخذها ابنٌ من والدته ليس لها في النص الأصل ولا في الواقع الاجتماعي الذي يصفه هذا النص من أثر.
ولعل أبلغ مثال في ذلك هو ما جاء على لسان البطل في "السراب"، إذ يقف الفتى الخجول عند باب البيت الذي يقيم به أهل محبوبته، وقد جاء يتقدم إلى خِطبتها وحده بعد أن رفضت أمه مرافقته، فيزفر من قهرٍ ومن حُرقةٍ وخجل، ويناجي والدته قائلا :
"ويلي منك يا أماه..."
واضح أن محفوظا، تفننا منه في شرح الموقف الإنساني الدقيق الذي تتعرض فيه الشخصية المركزية لامتحان عسير، يجعل البطل ينطق بما يتصوره المرء له في مثل هذا الموقف من ألم وحسرة وإحساس بالوحدة وحاجة إلى السند والأنيس. والبطل إذ ينطق عبارته هذه يخاطب أمه الغائبة مفضيا إليها بما يجده من تخليها عنه في تلك اللحظة العصيبة من خيبة أمل ومن إحساس أليم بالوحشة. فكأنه يقول لها : "لشَدَّ ما آلم لغيابك اليوم عني يا أماه، ولشد ما وددت لو كنتِ معي، إذن لآزرتِني وشددتِ من عَضُدي ولكنتِ لي خيرَ سندٍ وخير معين..."
لكن الترجمة تطالعنا بتعبير تقشعر له الأبدان، إذ تجعل البطل يقول :
Maudite sois-tu, ma mère !
وهو تعبير لا يكاد المرء يجرؤ على ترجمته حتى في أيامنا هذه إلى العربية، فكيف يُتصور أن يَصدُر مِثلُه أو ما هو في معناه عن بطلِ قصةٍ تجري أحداثُها في أوساط مجتمعٍ محافظ خلال النصف الأول من القرن الماضي، والبطلُ متعلقٌ بأمه التعلقَ الذي نعلم ومحبٌّ لها الحبَّ الذي نعلم...

وهاك موقفا آخر، يجد فيه الشاب العاجز عظيم المَوجِدَة على حماته التي جَرِّأها كَرَبُها على ابنتها فخاطَبَته في شأن علاقتهما الحميمة، فيصطَبِر لكن الانفعال يَغلِبه على نفسه، ويوشك أن يجيبها بما يسيء غير أن والدته تتدخل في الحديث.
يقول محفوظ على لسان بطله :
"ثم ركبني الغضب، فشعرت بمقت شديد نحو هذه المرأة الفضولية. واقتحمت أمي..."
أي تقريبا، منقولا إلى الفرنسية :
Puis, soudain furieux, je me pris à haïr cette femme indiscrète. Ma mère fit irruption…
لكن المترجمة تنقل ما يلي :
Puis, soudain furieux contre ma mère, je ressentis un profond dégoût de son indiscrétion. Cependant, elle interrompit (…)
أي تقريبا :
"ثم شعرت فجأة بالغضب من أمي، وتملكني مقت شديد حيال فضولها، على أنها قطعت..."
والعجيب أن القرينة حاضرةٌ في المثالين معا، وفيها للمترجم خيرُ وازعٍ عن الإمعان في الابتعاد عن المعنى المراد. ففي المثال الأول يخاطب البطل أمه مناديا إياها "أماه"؛ وبربك هل رأيت أحدا يريد أن يسب أمه يناديها أماه ؟ وفي المثال الثاني هناك السياق الذي لا يدع مجالا للشك في أن المقصود بالمرأة الفضولية هو الحماة، ثم هناك استئناف الحديث بجعل الأم، إظهارا لا إضمارا، فاعلا لفعل "اقتحم"، ولو كانت هي المقصودة بما سبق لكان في ذكرها بالاسم ركاكةٌ ننزه الأديب الكبير عنها، ولأفضى ذلك إلى لَخبَطَةٍ في المعنى لا يمكن تصوُّرها منه.

ونسوق مثالا من "الحرافيش" نجد فيه النوع نفسه من الإضافات والتأويلات التي لم يكن لها من مبرر.
يَقبَل شمس الدين، وهو بَعدُ يافعٌ، عيديةً من أحد التجار، فيشتري بها عباءة ومركوبا يخطر بهما مزهوا يوم العيد، فما أن يراه أبوه عاشور على تلك الحال حتى يمسك بتلابيبه فيسحبه إلى البدروم ويلطمه، آمرا إياه برد الملابس إلى البائع والعيدية إلى مهديها.
يرتطم الفتي عندها لأول مرة بإرادة أبيه الصلبة، ويدرك ألاَّ قِبَلَ له به، وألاَّ عون يمكنه أن ينتظره في هذا الشأن من أمه.
يقول محفوظ في هذا الصدد :
"وأدرك شمس الدين أنه لا قبل له بغضب أبيه، خجل من نفسه، وخذلته أمه فلم تجرؤ على الدفاع عنه أو الوقوف إلى جانبه."
أي تقريبا، منقولا إلى الفرنسية:
Shams Eddine comprit qu’il était bien incapable de faire face à la colère de son père. Il se sentit envahi de honte et délaissé par sa mère, qui ne pouvait rien pour lui
فتنقل المترجمة :
Sham Eddine comprit que, pour la première fois, il avait déchaîné les foudres de son père ; un sentiment de honte l’envahit, mêlé à une sourde rancœur envers sa mère qui n’avait pas fait un geste pour le défendre
أي على وجه التقريب :
"أدرك شمس الدين أنه قد استثار لأول مرة غضب أبيه، فاعتراه شعور بالخجل يخالطه حقد كظيم على أمه التي لم تحرك ساكنا لمساعدته."
فصار اكتشافه قوةَ أبيه وعجزَ أمه عن درئها عنه مبعثا لخجله، وصارت المرأة المسكينة العاجزة عن حماية الابن من أبيه، امرأةً غليظة القلب فظةً جامدةَ الحواسِّ ترفض مَدَّ يدِ المساعدة لابنها، ويلقى هو جميلها بما يليق به من عرفان، فيضمر لها حقدا أسود...
ولنا أن تصور ما يلحق الشخصيتين معا من تشويهٍ إثر ذلك.

وننتقل إلى أمثلة نسوقها تتعلق بموضوع السحر الذي لا يملك متتبع الترجمة إلا أن يدهش لما يراه من إقحام له في أماكن لا وجود له فيها في النص الأصل البتة.
يحدث أب البطل في رواية "السراب" ابنه محذرا إياه من الزواج فيقول :
"الزواج سخرة. تصور أن امرأة تملكك !"
أي تقريبا، منقولا إلى الفرنسية:
Le mariage est un asservissement. Imagine qu’une femme se rend maître de toi !
فتنقل المترجمة :
Le mariage est un sortilège. Sache que par lui la femme te possède !
أي تقريبا :
إن الزواج من عمل السحر، فاعلم أنه وسيلة المرأة للسيطرة عليك !
بديهي أن مناط الخطإ هنا حرف الخاء في قوله "سخرة"، الذي قرأته المترجمة حاءً مهملة. لكن ألم يكن لها وازع في كون العربية لا تقول "سحرة" إلا جمعا لساحر؟ ثم أين السياق من الترجمة، ونحن نرى أن شخصية الرجل المتكلم شخصية إنسان ماجن خاب ظنه في الدنيا فهو قد اعتزلها اعتزالا، ولم يعد يذكرها وأهلها إلا بسوء، إلا أنه أبعد ما يكون عن تفسير خيبته بالسحر بل وعن الإيمان به؛ فكيف يُحذِّر من السحر غيرَه ؟

وفي كلام للبطل عن زوجته، يقول محفوظ على لسان بطله :
"والحق أن امتزاجنا في حياة واحدة لم يذهب عني سحرها."
المقصود أنه بقي مغرما بزوجه حتى بعد زواجهما وعيشهما تحت سقف واحد. ويمكن أن نترجم هذا المقطع على سبيل المثال على الشكل التالي :
Notre vie en commun n’avait en rien diminué le charme qu’elle exerçait sur moi.
لكن المترجمة ترى في الأمر شيئا آخر فتنقل :
Notre vie commune n’avait point dissipé le sortilège qu’elle exerçait sur moi.
أي تقريبا، منقولا إلى العربية :
"لم تخفف حياتنا المشتركة من مفعول السحر الذي كانت تخضعني لتأثيره."
وإن لنا أن نتساءل كيف لشخصية رباب أن تتعاطى السحر وهي كما يرسمها محفوظ إنسانةٌ عادية من وسط اجتماعي محافظ، خالت نفسها قد وجدت في البطل فارس الأحلام، فقبلت به عندما تقدم يطلب يدها، ثم عاشرته صابرة على عجزه، حتى أودى بها الحرمان والضعف إلى التردي في مهاوي الرذيلة التي ستدفع حياتها ثمنا لها..

وقبلها يتحدث البطل عن مرحلة طفولته فيقول :
"وقد بات الشرود لدي ملَكة آسرة غلبت على نفسي جميع قواها العقلية.
أي تقريبا، منقولا إلى العربية:
L’inattention était devenue pour moi une manie impérieuse, qui s’accaparait toutes les forces vives de mon esprit
فتنقل المترجمة :
Mon inattention naissait du sortilège d’une reine qui avait dépossédé mon esprit de toutes ses capacités intellectuelles.
أي تقريبا :
"وكان شرودي يرجع إلى سحر ملِكة غلبت على نفسي جميع قواها العقلية."
قد نفهم أن يفوت المترجمةَ المقصودُ من كلمة "ملكة" بفتح اللام، بمعنى الصفة الراسخة في النفس، فتحمل اللفظة على معنى الملكة مؤنث الملك؛ لكن ألم يكن لها من السياق وازع يجعلها تتساءل عن العلاقة المنطقية التي يمكن أن تقوم بين الملِكة مكسورة اللام وبين الشرود، قبل أن تتساءل عن محل ذات التاج من الكلام هاهنا ؟ ثم من أين لها بما يبرر إقحام فكرة السحر في هذا المقام ؟

ولو سمح الظرف لتقدمنا بأمثلة أخرى كثيرة لا عذر فيها للمترجمة من سوء فهم أو ما شابهه، ولا تفسير لما تضيفه إلى النص سوى النظرة الغريبة التي يصر الغربيون على أن ينظروا من خلالها إلى المجتمع العربي الإسلامي، محملينه ما ليس يحمل، وملبسين إياه من الثياب ما لم يُنسج له ولا خِيط عليه.

وكما أسلفنا القول مرات بعد مرات، فإن غرضنا ليس تَصَيُّدَ هفوات السيدة المترجمة ولا تَسقُّط أخطائها، وما ينبغي ذلك لمن مارس الترجمة واكتوى بنارها.. ما نهدف إليه هو طرح بعض الأسئلة التي يثيرها كم هائل كهذا الكم من الهفوات (أزيد من 120 في رواية السراب التي لا تتجاوز صفحاتها الثلاثَمائة إلا بقليل، ونحو ضعف ذلك في الحرافيش التي تقارب صفحاتها الستَّمائة)، وهي أسئلة منها ما يتعلق بالسيدة المترجمة خاصة، ومنها ما يعدو إطار هذه الرواية ليلامس مواضيع أوسع.
أما فيما تعلق بالسيدة Meyer، فنتساءل عما أوقعها في مثل هذه الأخطاء، أهو عامل الزمن وما ينحو نحوه من العوامل التجارية، أم هو استسهالها لعملية الترجمة واستهانتها بالقضايا التي يثيرها هذا العمل المضني، أم هو يا ترى بكل بساطة موقف الغرب المتعالي الذي لا يرى – أو لا يريد أن يرى – في كتابات الأديب العربي الكبير ما تعج به تلك الكتابات من عرض لمواقف إنسانية دقيقة، وما تتميز به من عمق ودقة وغنى ؟
أما الأسئلة ذات الطابع الأعم فنطرح منها سؤالا عن العين التي يرى بها الغرب الأدب العربي، ومن هنا كيف يرى العرب أدب الغرب، وبشكل أعمَّ كيف ترى كل حضارة أدب الحضارات الأخرى، وعلام يعتمد القارئ الذي يتخذ النص المترجم مطية لتكوينه المعرفي عن حضارة مغايرة ؟
إن صورة الآخر باهتةً هي صورته لدى من يقرأ عنه نصا مترجما، وهذا حال الترجمة، وهكذا ستبقى إلى ما شاء الله لها.
لكن هل في ذلك تجنٍّ على الأدب العالمي وإفقارٌ له ؟ نعتقد أن العكس هو الصحيح، ونرى في ذلك إبقاءً لباب الترجمة وإعادة الترجمة مفتوحا. لسنا ندعو إلى إحراق الترجمات المنجزة، بل إنا ندعو على العكس من ذلك إلى ما أقدم عليه الفرنسيون والإنجليز مؤخرا، من إعادة ترجمة أعمال إنسانية رائدة، كمؤلفات النمساوي فرويد في علم النفس، وما ينتوون القيام به من إعادة ترجمة أعمال ماركس إلى الفرنسية. إننا ندعو إلى إعادة ترجمة أعمال محفوظ وغيره من عمالقة الأدب العربي، وإعادة ترجمة ما سلفت ترجمته من أعمال الروائيين والأدباء العالميين إلى العربية.
ففي تعدد الترجمات إيضاحٌ للمعاني وتوضيحٌ للمقاصد وتقريبٌ للناس بعضِهم من بعض.
والله تعالى من وراء القصد.

عبد الهادي الإدريسي