19 | 11 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

في مشكلة تأهيل المترجمين العرب


في مشكلة تأهيل المترجمين العرب


ما هو سبب تواضع أكثر المترجمين العرب في الأداء؟ ولم يفشل أكثرهم في سوق الترجمة الدولية؟ على من يقع اللوم في ذلك، ومن هو المسؤول النهائي، آلأستاذ أم الطالب؟ السوق أم التأهيل؟

هذه أسئلة طرحناها وطرحها غيرنا مراراً وتكراراً. وفي كل محاولة جواب، تُحمَّلُ المسؤولية إلى الآخر، سواء أكان ذلك الآخر أستاذاً متخلفاً عن مواكبة ما يجري في مجال علم الترجمة، أو طالباً كسولاً، أو سوقاً محلية كاسدة، أو تأهيلاً لغوياً وتقنياً ناقصاً لا يمكن المترجم العربي من دخول السوق الدولية والتنافس فيها مع المؤهلين لغوياً وتقنياً.

إن المشكلة، أية مشكلة، لا يمكن اختزالها في سبب واحد مهما كان ذلك السبب طاغياً على الأسباب الأخرى، وإلا سقطنا في النقيض الآخر. وإذا طبقنا هذه المقولة على حركة الترجمة في البلاد العربية، وحال المترجمين فيها، فإننا نجد أن المشكلة أعوص من نحمل المسؤولية فيها إلى جهة واحدة. وفي الحقيقة لا توجد حركة ترجمة بالمفهوم الدقيق للكلمة، فأكثر الترجمات التي تحرر في بلاد العرب هي إما ترجمات الأحوال الشخصية، أو ترجمات الحكومات والشركات وهي قليلة جداً بالمقارنة مع حركات الترجمة في البلاد الأخرى. فالأرض قاحلة، والأرض القاحلة لا ينبت فيها نبات ولا يُثْمِرُ فيها ثمر!

وهذا لا يعني أن دراسة الترجمة والتخصص فيها أمر غير ضروري، فنحن نعيش في زمن عربي كل شيء فيه "زِفتٌ ما عدا الشوارع"! بكلام آخر: قد يأتي يوم يصبح للترجمة والمترجمين في بلاد العرب شأن، ولكن شيئاً لا يشير إلى أننا سنرى ذلك في المستقبل القريب. وبانتظار مجيء ذلك اليوم، أدعو المترجمين العرب إلى دخول سوق الترجمة الدولية، لأن الترجمة في تلك السوق بضاعة رائجة، وتجارة رابحة، لا يقدر عليها إلا من أهَّل نفسه تأهيلاً لغوياً وتقنياً وتجارياً يسمح له بالصمود أمام التنافس الكبير الذي تشهده تلك السوق!

وقبل الحديث في التأهيل المطلوب لولوج سوق الترجمة الدولية والنجاح فيها، أود أن أقف قليلاً عند مفهوم "المترجم" الذي أعنيه في هذه الكلمة. إن ما أقصده "بالمترجم" هو الخِرِّيج الذي درس الترجمة دراسة غير نمطية في مؤسسة محترمة، لأن الخِرِّيج الذي يدخل الجامعة من أجل الحصول على الشهادة فقط، ويحصل عليها بالحفظ والتلقين، خِرِّيج لا يصلح لشيء هذه الأيام، حتى وإن حصل على أعلى الشهادات العلمية! وقد يكون هنالك عيب في نظام التعليم المتبع، أو في كفاءة الأساتذة، إلا أن المسؤولية الكبرى في ذلك تقع على عاتق ذلك الطالب، لأن لطالب الجامعة عقلاً يجعله يعي أن طريقته في الدراسة لا تؤدي إلى نتيجة؛ وإذا كان لا يعي ذلك، فلا صلاح يرجى منه على الإطلاق! إذاً نحن نتكلم عن المترجم الذي تأهَّل تأهيلاً لغوياً مقبولاً وتدرب طوال فترة دراسته تدريباً وطوَّر ملكته اللغوية والأدبية بالمطالعة المستمرة وحب البحث والتنقير والفضول العلمي وممارسة اللغات الأجنبية التي يدرسها، خصوصاً وأن مجالات التواصل اليوم باتت كثيرة جداً وفي متناول الجميع.

إلى جانب التأهيل اللغوي الجيد، الذي هو بمثابة الشرط الأساسي لولوج سوق العمل الدولية، يجب على المترجم أن يؤهِّل نفسه تقنياً بحيث يستطيع التواصل مع الزبائن والزملاء في جميع أنحاء العالم، خصوصاً المتطورة منها. وهذا يعني بالضرورة توفره على وسائل الاتصال العصرية من هاتف ثابت أو محمول بالإضافة إلى جهاز ناسوخ ذي رقم مستقل وبريد إلكتروني مهني (أي ليس مجانياً) يمكنه من إرسال الملفات كبيرة واستقبالها، وتوفره على جهاز حاسوب سريع وقوي مجهز بالبرامج المطلوبة في سوق العمل الدولية، بالإضافة إلى امتلاكه قدرات حاسوبية كبيرة لاستغلال تلك البرامج. إن بعض تلك البرامج التي لا بد منها للمترجم العصري، مجاني مثل برنامج WinZip الذي يسمح للمترجم بضغط الملفات الكبيرة توفيراً للمساحة وتسهيلاً لعمليات الإرسال عبر البريد الإلكتروني؛ مثل برنامج Cut & Paste الذي يسمح للمستخدم بتجزئة ملف كبير جداً إلى ملفات صغيرة يسهل إرسالها عبر البريد الإلكتروني أيضاً؛ مثل AcrobatReader الذي يمكن المستخدم من تحرير ملفات الـ PDF وقراءتها. وبعضها الآخر غير مجاني، مثل أي برنامج حماية من الجراثيم (مثلاً: Norton, McAfee …)، لأن عميلاً لن يتصل بمترجم ثانية إذا استلم منه رسالةً تحتوي على جرثومة، الخ.

إن هذه البرامج، وأكثرها مجاني ويمكن تحمليها وتركيبها من الشابكة بسهولة، ضرورية جداً لمن يريد أن يمارس أبسط أنواع الترجمة، أي ترجمة النصوص العامة! ووكالات الترجمة وكذلك الشركات لا تحبذ التعامل مع مترجم، مهما كان جيداً ومهما كانت أسعاره منخفظة، تعاملاً تضطر معه إلى خسارة نصف يوم في إرسال ملف مضغوط أو ملف PDF إليه، لأنه لا يستطيع أن يحرره على شاشة حاسوبه بسبب عدم وجود تلك البرامج الأساسية! وأنا كنت أتعوذ بالله من التعاون مع مترجم يضطرني إلى الاتصال به هاتفياً مرات ومرات من أجل إرشاده إلى طريقة تفيده في كيفية فتح الملف الذي أرسلتُهُ إليه، ولا أكرر التعامل معه!

أما من يريد أن يتخصص في مجال تقني ـ على الرغم من انعدام أي تكوين تقني في الترجمة في أية جامعة عربية ـ مثل ترجمة مواقع الإنترنت (Website Translation) والترجمة التلفزيونية الحديثة (FAB Subtitling) وتوطين البرامج الحاسوبية (Software Localisation) وغيرها من الآلات ذات الدليل اللغوي؛ وكذلك إدارة الذاكرة (Translation Memories) والترجمة بمساعدة الحاسوب (Machine Translation Technologies)، فإنه ينبغي عليه أن يتابع دورات في واحد أو أكثر من هذه المجالات الدقيقة التخصص التي تؤهله لممارسة الترجمة التقنية، وأن يتسلح بالبرامج التقنية التي تعينه في ذلك، وهي برامج غالية الثمن ومعقدة الاستعمال، مثل برنامج Trados لإدارة الذاكرة ـ خصوصاً في ترجمة الـ strings التي تشكل نواة النصوص التقنية، سواء في ترجمة مواقع الإنترنت أو في توطين البرامج الحاسوبية، ومثل برنامج Passolo لتوطين البرامج الحاسوبية، وأخيرا وليس آخراً، برنامج Systran, webbased للترجمة بمساعدة الحاسوب. إذ لا يخفى على أحد أن مجال الترجمة التقنية مجال جد مربح، وأن مشاريع الترجمة التقنية مشاريع كبيرة قد تطول أشهراً، وأن أجر المترجم التقني اليومي لا يقل عن 700 يورو في بلد مثل بلجيكا، علماً أن أسعار الترجمة في بلجيكا منخفضة قياساً بفرنسا وإنكلترة وألمانيا وهولندة. وأنا أعرف مترجمين عرباً ثقفوا أنفسهم بأنفسهم وتعلموا ودخلوا سوق الترجمة الدولية وحققوا فيها نجاحاً باهراً، ولكن بالجد والاجتهاد، وليس بالنَّقِّ والاشتكاء!

وأخيراً أشير إلى أن على الطلاب الذين يختارون الترجمة دراسةً أن يحصلوا على أكبر قدر ممكن من المعلومات حول دراستهم ومستقبل مهنتهم، لأن من شأن الحالة الراكدة في سوق الترجمة العربية أن تسبب لهم إحباطاً كبيراً بعد التخرج. وفي الوقت نفسه يقع على عاتق الأساتذة مسؤولية أخلاقية كبيرة بشأن المعلومات عن الترجمة ـ دراسةً ومهنةً في البلاد العربية ـ التي يقدمونها للطلاب وقت الانتساب إلى الجامعة، خصوصاً فيما يتعلق بصحتها!

وخلاصة القول: إن مشكلة الترجمة ومشكلة تدريسها ونوعية أساتذتها واجتهاد طلابها وركود سوقها عند العرب وتخلف متخرجيها عن الالتحاق بالسوق الدولية، كل ذلك مسألة متداخلة ببعضها بعضاً بحيث يستحيل اختزالها في سبب واحد، كما اسلفتُ، مهما كان ذلك السبب!

ولا شك في أن الخطوة الأولى في سبيل حل مشكلة تأخر المترجمين العرب عن مواكبة حركة السوق الدولية هو استبدال أساتذة الترجمة الحاليين بأساتذة مؤهلين تقنيا، أو بفرض برنامج تأهيل تقني عليهم، لأن فاقد الشيء لا يعطيه .. وهذه مسألة ينبغي التوقف عندها، فهنالك أساتذة لم يكن لديهم، حتى سنتين خلتا، بريد إلكتروني! وأكثر المشتغلين بالترجمة وعلومها منهم، يشتغلون بمتجاوَز العلم!

من جهة أخرى، ينبغي للمؤسسات التعليمية التي تختار الطلاب بناء على مباريات دخول أن تأخذ مسألة التقنية وحوسبة الطلاب بعين الاعتبار.

ولا أدري ما الذي يمنع مؤسساتنا التعليمية العربية من إضافة مادة شبيهة بمادة "رخصة سياقة الحاسوب الأوربية" (European Computer Driving License) إلى مناهجها، وهي المادة التي تمكن الطالب من استغلال مهارات الحاسوب العامة وبرامج "مايكروسوفت أوفس" (وليس برنامج وورد فقط) وتوظيفها في مجال عملهم في الترجمة وغيرها.

وأخيرا يبقى إدخال تدريس بعض المواد عبر الحاسوب وسيلة ناجعة لإحداث تغيير إيجابي في العقلية التعليمية العربية، فما أحوجنا اليوم إلى إعادة النظر في ثقافتنا التعليمية وحوسبتها في جميع مراحلها لإنشاء جيل من الخريجين ينتمي إلى هذا العصر وليس إلى عصور ما قبل الحاسوب!


لكل مجتهد نصيب!

عندما كنا نعمل فريقاً واحداً في "الجمعية الدولية للمترجمين العرب" (الجمعية القانونية) حصلنا ـ عبر الدكتور محمد عمر أمطوش ـ على ميزانية من جامعة فرنسية قدرها خمسة وعشرون ألف يورو، لإصدار كتابين مرجعيين في الترجمة، واحد بالعربية وآخر بالإنكليزية، بشرط أن يتضمن الكتاب الواحد عشرة أبحاث لعشرة باحثين على الأقل. ناشدنا جميع "العلماء والمترجمين واللغويين" للمشاركة، وذلك على مدار شهرين وأكثر، ولم يرد علينا إلا شخص واحد من خارج مجلس الإدارة، هو الأستاذ الأردني الدكتور محمد فرغل فيما أتذكر.

عندها أصبنا بصدمة حقيقية، اكتشفنا في أثنائها أن أكثر المترجمين أدعياء ترجمة، وأن أكثر اللغويين أدعياء علوم لغة، وأن أكثر أساتذة الترجمة صاروا كذلك قضاءً وقدراً .. اكتشفنا أن أمر معظم "الزملاء" كان "فشفوش بلدي"، فاعتذرنا للجهة المانحة، ولم نتورط حفاظاً على المصداقية، وخصوصاً مصداقية أعضاء مجلس الإدارة!

كان هنالك بديل آخر لتحقيق المشروع، هو أن يقوم القادرون على الكتابة العلمية في مجلس الإدارة آنذاك (وهم الدكتورة وفاء فايد كامل، والدكتور أحمد الليثي، والدكتور محمد عمر أمطوش، وكاتب هذا التعليق) بكتابة عشرين بحثاً بالعربية والإنكليزية ونشرها تحت عشرين اسماً مختلفاً .. وهو ما لا يمكن للمذكورين فعله، لأن هذا التصرف غش، والمؤمن لا يغش، فألغي المشروع!

وقبل عامين قمت ـ بطلب من المفوضية الأوربية وثلاث جامعات أوربية ـ بجرد دقيق جداً للأساتذة العرب المتخصيين في الترجمة القادرين على تدريس مواد تكنولوجيا الترجمة، بهدف قيامهم بتدريس مواد تكنولوجيا الترجمة الحديثة (التوطين والترجمة التلفزيونية وترجمة المواقع وإدارة الذاكرة الخ)، فما وجدت، بعد مسح شامل، إلا خمسة أساتذة، بعضهم غير مرتبط بجامعات! فتقرر، عند تنفيذ المشروع، انتخاب عشرة أساتذة عرب بارعين، ودعوتهم إلى بروكسيل لتدريبهم هم أولا قبل الشروع بتنفيذ المشروع!

وأنا أزعم زعما أن مشاريع الترجمة كثيرة والتمويل موجود ولكن الطاقات العربية القادرة على التنفيذ قليلة جداً، وأكثرها، إن لم يكن كلها، منهمك في ألف مشروع، ومشروع!

في أثناء ذلك يبقى الفضاء الافتراضي مفتوحا لأدعياء علوم الترجمة واللغة وما إليهما، ليدعوا فيه بملء فيهم ما يشاؤون، ويزعموا فيه بملء فيهم ما يشاؤون، كذباً وبهتاناً، ونصباً واحتيالاً وتوريطاً ..

الأمة ليست عنزة جرباء شمطاء أيها الناس حتى ينطلي عليها ادعاء هؤلاء، والقائمون على المال الخليجي ليسوا بهذه السذاجة حتى تسري عليهم أقوال الأدعياء. إن ما تحتاج إليه الأمة هو علماء مخلصون، وإن ما يحتاج إليه المترجم البارع حتى يحصل على ما يريد من عمل جاد مفيد وعيش كريم، هو إتقان لغاته، وإتقان علمه، وتدريب عصري يؤهله للعمل في السوق الدولية.

ولكل مجتهد نصيب!