25 | 07 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

نصائح مترجم... عبد الرحمن السليمان

لا تلعنوا الأرض!



(1)


نقرأ، بين الفينة والأخرى، كلاماً يصب فيه أصحابه جام غضبهم على مجال علمي بعينيه، ومهنة بعينها، ومشروع بعينه، وبكلام لا يستطيع إلا طبيب نفساني متخصص في حل العقد المزمنة تفسيره ووضعه في نصابه الطبيعي، ذلك أنه غالباً ما يكون الباعث من وراء الكتابة هو الإحباط من العجز عن مواكبة تطور ذلك المجال العلمي، أو الإخفاق في ممارسة تلك المهنة، أو الجهل في فهم حقيقة مشروع ما. وكثيراً ما نطالع مثل هذا الكلام عند الحديث عن الترجمة وما إليها. وأجدر بأصحاب ذلك الكلام ألا يعمموا رؤاهم السوداوية على الجميع، فللرؤى السوداوية المتكررة تأثير سلبي على طلاب الترجمة، وعلى المترجمين المبتدئين، وليس على المخضرمين لأنهم "يعرفون البئر وغطاه" كما يقول المثل. ومن شأن تعميم التجارب السلبية أن يثير الإحباط لدى الطلاب ويصرف اهتمامهم عن دراسة الترجمة وممارستها في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الترجمة، علماً وصناعةً ومهنةً، للمساهمة في تطوير ذاتنا وثقافتنا.

وأريد أن أقتصر في حديثي الآن على الترجمة، علماً وصناعةً ومهنةً. فالناظر في وضع الترجمة في البلاد العربية بصفتها علماً وصناعةً ومهنةً، وفي وضع المترجمين بصفتهم خريجي كليات الترجمة أو متخصصين في صناعة الترجمة أو ممارسين لمهنة الترجمة، يلحظ أن هذا الوضع أشبه بقوس قزح متعدد الألوان، لا يحكم عليه بحكم واحد عاقل. كما أقتصر في حديثي الآن على التأمل في العجز عن مواكبة الترجمة صفتها علماً، وعلى الوعد بتخصيص مشاركات منفصلة للترجمة بصفتها صناعة ومهنة، ألخص فيها خبرة عشرين سنة من ممارسة الترجمة بصفتها علماً وصناعةً ومهنةً في الجامعات الغربية وسوق الترجمة الدولية، وهي الممارسة التي اعتمدت عليها، في جميع مراحلها، على الله أولاً، ثم على نفسي ثانياً، وذلك في وقت لم تكن فيه جمعيات ترجمة رصينة يقدم فيها الأساتذة والأستاذات مادة علمية وعملية غنية يضعونها في متناول الجميع ليفيد منها الجميع، وفي وقت لم تكن فيه معاجم جيدة (يوناني ـ عربي وهولندي ـ عربي) لأعتمد عليها، وفي وقت كنت أعمل فيه ست ساعات في اليوم لكسب القوت وتمويل الإقامة والدراسة ..

إن الذين يصبون جام غضبهم على الجامعات التي درسوا فيها، وعلى أساتذتها، وعلى جمعيات الترجمة ومؤسساتها الرسمية في بلادهم، وعلى جمعيات الترجمة الدولية الأهلية، ويعزون عجزهم عن المواكبة إليها، مخطئون جداً، فضلاً عن أن نسبة الفشل إلى الآخرين هروب من المشكلة بدلاً من مواجهتها. صحيح أن الجامعات العربية بحاجة إلى إجراء مراجعة شاملة لمناهجها التدريسية بحيث تصبح قادرة على تقديم المادة العلمية العصرية والتكنولوجيا العصرية لطلابها؛ وصحيح أن على أكثر أساتذة الترجمة في البلاد العربية أن يستمروا في تكوين أنفسهم كي يصبح بمقدورهم مواكبة تطور علوم الترجمة في العالم وتمكين طلابهم وطالباتهم من مواكبتها أيضاً؛ وصحيح أن على جمعيات الترجمة ونقابات الترجمة ومؤسسات الترجمة الرسمية أن تصلح نفسها وتحسن من أدائها وتتخلص من بيروقراطيتها وتسعى جاهدة في تنظيم الترجمة علماً وصناعةً ومهنةً؛ وصحيح أيضاً أن على جمعيات الترجمة الأهلية، الدولية والمحلية، أن تضاعف من جهدها للرقي بالترجمة علماً وصناعةً ومهنةً، ـ إلا أن المسؤولية تقع، قبل كل شيء، على عاتق الطلاب والطالبات أنفسهم، ذلك أن كل شيء تقريباً متاح في الشبكة، وفي متناول الجميع، وبالمجان تقريباًً. فمن يظن أنه يتعلم كل شيء في الجامعة، مخطئ، ذلك لأن الجامعات تعلم المقدمات العلمية العامة، والقواعد العلمية العامة، ومناهج البحث العلمي العامة فقط. فعلى الطالب أن يطور مهاراته باستمرار، بالقراءة والمتابعة خصوصاً للأدب المتخصص، وإلا ارتد إلى الأمية بعد خمس سنوات من تخرجه. وهذه، ظاهرة الارتداد إلى الأمية، ظاهرة حقيقية في بلاد العرب، وآخذة في الزيادة المثيرة للقلق. وتطوير المهارات لا يكون بانتظار من يأتي ليطور لنا مهاراتنا، بل بالسعي في ذلك، واستثمار المال والوقت في سبيل تحقيق ذلك، فالعروض في هذا المجال كثيرة، والمادة العلمية التي تساعد في تطوير القدرات العلمية في الترجمة موجودة ومتاحة بلغات كثيرة، ويكفي أن يبحث الطالب عنها بواسطة أي باحوث في الشبكة كي يجدها ويفيد منها. إن أكثر المترجمين الناجحين في سوق الترجمة الدولية ـ ومنهم عشرات المترجمين أعرفهم على الصعيدين المهني والشخصي ـ هم مترجمون اعتمدوا في تكوين أنفسهم وتطوير مهاراتهم على أنفسهم وفي ظروف ليست دائماً مريحة، فدخلوا السوق الدولية بثقة في النفس وثبات، ونافسوا فيها ونجحوا نجاحاً منقطع النظير .. إن الكثيرين ممن أعرف من المترجمين الجيدين الذين وصفت، غارقون اليوم في الأشغال المجدية مادياً حتى أن الكثيرين منهم باتوا يوزعون الأعمال التي تعرض عليهم من البلاد المختلفة على زملائهم وزميلاتهم في الجمعيات التي ينتمون إليها وفي الجمعيات الصديقة .. ومنهم من يترجم حتى في الطائرة في أثناء السفر لكثرة الضغط عليه! وحتى لا أرمى بالتعميم في القول، على طريقة المحبطين في التشكيك في النيات والأقوال والأفعال، أقول إني واحد من هؤلاء، وإني وزعت أشغالاً في الترجمة على حوالي خمسة عشر مترجماً تعرفت عليهم في الجمعيات الرصينة، وبقيمة إجمالية تجاوزت المائة ألف يورو، منهم أربعة زملاء يكتبون في الملتقى .. وبالتسعيرة الدولية .. وغيري من المترجمين وزع أكثر مني! ولا يزال التعاون التجاري المفيد للجميع، الذي نشأ عن التعارف في الجمعيات الرصينة، قائماً بين المترجمين حتى هذه الساعة. وأمس نسق أخونا الدكتور أحمد الليثي ترجمة كتاب "حبي للمسيح قادني إلى الإسلام" إلى أكثر من عشر لغات، كان للشبكة التي نشأت عن الجمعية الدولية للمترجمين العرب دور رئيسي فيها، وأفاد منها المترجمون بطريقة مباشرة .. ولا يزالون يفيدون من عشرات الفرص المماثلة ..

فالأرض ليست كلها عوجاء أيها الراقصون: تعلموا الرقص بدلاً من لعن الأرض، ففي ذلك خير لعقولكم، وجيوبكم، وسيقانكم أيضاً!


لا تلعنوا الأرض!

(2)

كانت صناعة الترجمة حتى وقت قريب مضى صناعة تقليدية، لكنها أصبحت اليوم صناعة متطورة جداً لم تعد المعرفة اللغوية والشهادة الجامعية، بحد ذاتهما، كافيتين لممارستها على أكمل وجه. وحتى أكون دقيقاً في كلامي الذي أوجهه لكل من يريد أن يعي ويفهم ويتعلم من طلاب الترجمة والمترجمين المبتدئين، أقول إن المعرفة اللغوية والشهادة الجامعية لا تكفيان ولا حتى لممارسة الترجمة التقليدية كما هي عليه اليوم في أكثر البلاد العربية، أقصد ترجمة الوثائق والعقود التي يتنافس عليها السواد الأعظم من المترجمين، وكذلك ترجمة الملفات القانونية والتجارية والمالية المطولة التي لا يكاد يوجد بشأنها تنافس يذكر بين المترجمين لأنها تتطلب تخصصاً دقيقاً لا يكاد أن يُدرس في معظم الجامعات العربية ولا يملكه إلا القليلون من المترجمين لأنه لا يُكتسب إلا بممارسة الترجمة المستمرة وتراكم الخبرات والتجارب المطردة. فترجمة الوثائق والعقود تتطلب معرفة دقيقة بالنظم القانونية للغات المنقول إليها لأن كل ترجمة من هذا النوع لا تأخذ النظم القانونية للغات المنقول إليها بعين الاعتبار، هي ترجمة رديئة لن يقبلها أحد. وفي أرشيفي المئات منها ومن معظم الدول العربية: ترجمات لعقود زواج وطلاق وأحكام ترجمها ذوو العلاقة ثمة وأحضروها معهم إلى الغرب لاستعمالها فيه لقضاء حاجاتهم، فرفضتها الإدارات الغربية لأن محتوياتها غير مفهومة بالنسبة إليهم وبالتالي فإنها لا تصلح .. وناهيك بذلك غشاً واستهتاراً بالزبائن الذين يضطرون إلى ترجمتها من جديد وتسديد أجر الترجمة من جديد. وكذلك إن ترجمة الملفات القانونية والتجارية والمالية المطولة بحاجة أيضاً إلى معرفة دقيقة بالنظم القانونية والتجارية والمالية للغات المنقول إليها ولكن صعوبتها وتعقيدها هما اللذان يجعلان التنافس على ترجمتها قليلاً بعكس الوثائق والعقود التي يظن الكثيرون أنه بمقدورهم ترجمتها.

إذن لدينا نوعان من المترجمين التقليديين: نوع يقتصر نشاطه على ترجمة الوثائق والعقود سواء أكان متقناً لصنعته أم لا، ونوع آخر لديه القدرة العلمية والخبرة لترجمة عقد تأسيس شركة أو ميزان مالي لمجموعة دولية أو حكم استنافي من عشرين صفحة على سبيل المثال الخ.

ولكن مجالات الترجمة أوسع بكثير من مجالي العقود والملفات، وأنا لا أريد أن أتكلم هنا في ترجمة الكتب الكبيرة والمراجع العلمية، فهذه ترجمة عالية التخصص وتتطلب مهارات وكفاءات كثيرة ولها رجالها وهم أندر من لبن العصفور إن صح التعبير .. إنما أريد أن أتطرق إلى الترجمة التقنية التي تشكل اليوم ثلثي أشغال الترجمة في الغرب والشرق الأقصى تقريباً، بكلام آخر في السوق الدولية التي نحث مترجمينا على دخولها بعد تسلحهم بالقدرات العلمية والمهارات التقنية. وأقصد بالترجمة التقنية توطين البرامج الحاسوبية (برامج الحاسوب) والآلية (الآلات والأجهزة على مختلف أنواعها). فنحن عندما نقتني جهاز تلفاز أو جهاز جوال ونجد بداخله اللغة العربية من بين اللغات المتاحة فيه لبرمجته فإننا نعلم أن ذلك الجهاز موطن في العربية. فالتوطين إذن هو الترجمة الرقمية التي تبرمج في جهاز ما وتظهر على الشاشة كلما أردنا ذلك. وأكثر الآلات والأجهزة تصنع في خارج الوطن العربي، وانعدام وجود مترجمين تقنيين في البلاد العربية قادرين على التوطين يجعل الشركات المنتجة توطن كل شيء في الغرب لقاء أجور باهظة (أجر المترجم اليومي: 700 يورو عن كل يوم يذهب فيه إلى مصنع الشركة المنتجة للتحقق من قيام مهندسيهم بتوليف الترجمة توليفاً صحيحاً في الآلة أو الجهاز. أما الترجمة، فسعر الكلمة فيها يترواح من 15 إلى 25 يوروسنت أو يورو إلى يورو ونصف للنضيد، وهو الجملة في النص التقني المطلوب توطينه، + 15 بالمائة علاوة استعمال برنامج إدارة الذاكرة وتقديم ملفات الذاكرة للشركة المنتجة كي تعتمدها في وضع قوائم مصطلحية معيارية مخصوصة بمنتجاتها) وعليه قس.

إن غياب الموطنين في البلاد العربية خطأ استراتيجي فادح لم تنتبه الجامعات العربية والقطاع الاقتصادي إليه لانعدام التنسيق بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية والمستثمرين كما هي الحال عليه في الغرب. فبدلاً من تكوين المترجمين تكوينا تقنيا عصرياً ليقوموا هم بالتوطين بأجور معقولة، نبقى ـ بطوع إرادتنا ـ بمنأى عن هذه التكنولوجيا المتاحة للجميع، ونحرم طلابنا ومترجمينا من فرص العمل الكثيرة جدا في هذا المجال، ونرهق المستهلك العربي بالأثمنة الغالية نتيجة لإنتاج المنتج وتوطينه في بلاد أجور الكوادر والمترجمين واليد العاملة فيها مرتفعة جداً ..