26 | 09 | 2017
DJ-Menu
آخر المواضيع
Trendy:

جنايات الترجمة / د. حسام الدين مصطفى

جنايات الترجمة


للدكتور حسام الدين مصطفى

من أخطر آثار الترجمة على لغتنا العربية أنها أضحت بمثابة باب خلفي تتسلل منه عوامل اللحن والخطأ، لكن ذلك الخطر يتفاقم إذ نجد أن هذه الأخطاء التي تدس في خزانة اللغة العربية تتخذ نفس شكل جواهرها اللفظية، بل وربما تبدو ذات بريق ألمع، فيقحم المترجم على اللغة الرائقة متشابهات تجعل غير ذي الاختصاص يحسب أن هذه الألفاظ أو التراكيب عربية أصيلة.
فشيوع استخدام الألفاظ الهجينة والتراكيب الغريبة ينخر في جسد اللغة ويؤدي إلى تآكلها رويداً رويداً، إذ تتراجع الألفاظ الأصيلة الرصينة وتتوارى بينما يفسح المجال للألفاظ والتراكيب الأعجمية والتي بتنا نراها مكوناً واضحاً في لغة الحياة اليومية، ومن أخطر الآثار السلبية التي ضربت بها الترجمة جذع لغتنا العربية أنها أسهمت في اختفاء الفروق اللغوية، وطمست ملامح التباين بين الألفاظ، فاستحال الترادف الذي كان أحد فضائل العربية وأهم ميزاتها مغبةً ورزئاً عظيماً، فامتزجت معاني الألفاظ وغابت محدداتها، وأصبح العموم هو السائد في المحتوى اللغوي. لذا فإنه من المؤسف أن سلب التراجمة الضعاف اللغة واحدة من أهم سماتها ألا وهي سمة الدقة.
إن القول بأن الترجمة قد تحمل إلى معين لغتنا العربية ما يشوبه
لا يعني أن هذه هي القاعدة العامة، أو أن الترجمة تسعى إلى ذلك، وإنما يمكننا القول إن هناك ثلاثة مستويات من الترجمة وفقاً لمستوى استخدام اللغة الهدف (المترجم إليها). أول هذه المستويات هو مستوى اللغة الفصيحة السليمة، وفيه يلتزم المترجم بكل قواعد اللغة نحْواً وصَرْفاً وإِمْلاءً، فلا يزج بأعجمي اللفظ أو مستهجن الأسلوب إلى محتوى لغتنا العربية. أما المستوى الثاني فهو مستوى يختلط فيه الصواب بالخطأ عن دون قصد في غالب الأحيان، فيختلط على المتلقي الأمر ولا يسعه إلا أن يرجح صحة ما حملته إليه الترجمة، سواء على مستوى اللفظ أو التركيب أو الاصطلاح، فيعمد إلى تكرار ما جاءت به الترجمة واستخدامه في ممارساته اللغوية، وبالتالي يشيع الخطأ لنصطدم بإشكالية "الخطأ الشائع أم الصواب المهجور" والتي يحسمها مبدأ "لا يصح إلا الصحيح"، فلو تركنا للخطأ الشائع مجالاً كي يتسلط ويتجبر ويحجب الصواب، لزالت لغتنا وحادت عن أصولها واجتثت من جذورها. بينما المستوى الثالث فهو المستوى الرديء الذي يغلب الخطأ فيه على الصواب ويمكن تمييزه بسهولة، لكن اللهجات واستخدام اللغة العامية يدعمان هذا المستوى ويمرران جحافل الألفاظ الأجنبية والتراكيب السقيمة بليل إلى المحتوى اللغوي الكلي.
خلال إشرافي على العديد من فرق المترجمين ضمن مشروعات تختلف في لغاتها ومجالاتها، وجدت أن هناك مسالب يتشارك فيها غالبية المترجمين؛ منها ما يتعلق بعدم القدرة على تمييز المعنى الوظيفي لصيغة الكلمة، فيخلطون بين الاسم والفعل، ويغيب عن ترجماتهم الالتزام بأحكام المعرب والمبني، وترتيب بنية الجملة، والتقديم والتأخير، بل إن بعضهم ذهب إلى عدم التمييز بين ضمير الهاء وتاء التأنيث. والسبب الرئيس في ذلك هو ضعف المحتوى التدريسي الذي تلقوه خلال المرحلة الجامعية التي وضعت حاجزاً بين ما درسوه في المرحلة ما قبل الجامعية وما انكبوا عليه من دراسة اللغة الأجنبية، فأضاع انهماكهم في حفظ اللغة الأجنبية، ما حفظوه ودرسوه من قواعد لغتهم العربية التي يتكلمونها.
إن كثيراً من المترجمين لا يُدركون أن لكل لغة أسلوبها الخاص في صياغة تراكيبها وجملها، فيقصرون دورهم على نقل معاني الكلمات وفق نسق وأسلوب اللغة المنقول منها (النص المصدر)، فيدخلون على العربية أساليب تخالف المنطق والعقل، ومن أوضح الأمثلة على ذلك التركيب (لعب دوراً) فيقول المترجم مثلاً: لعب الجيش دوراً عظيما في نصرة القضية.. فكيف يقترن اللعب بعظيم الدور؟! بينما الصواب أن يقول مثلا: قام الجيش بدور عظيم... كذا فإن بعضهم لا ينتبه إلى أن من سمات العربية الإيجاز والقصد، فنجدهم يتعمدون الإسهاب غير المبرر، فتضج ترجماتهم بالحشو الزائد مثل قولهم: (عضه بأسنانه) وكأن العض يمكن أن يكون بغير الأسنان، ومن الغريب أيضاً أن نجد البعض يخالف المنطق اللغوي، فنجده يستخدم تراكيب تدل على عكس المعنى، ومن ذلك قول: (استقلّ زيد السّيارة)، وصحتها (استقلّت السيارة زيداً) أي رفعته وحملته، أو قول (غطّى المراسل الحدث)، وصحته: ( ذكر أو تابع أو نقل المراسل الحدث) لأن "غطى" تعني: "أخفى".

يؤدي عدم الاهتمام بتدريس علوم النحو والصرف العربية خلال مرحلة دراسة الترجمة، والاكتفاء بما حصله الدارسون من معارف في هذا الميدان خلال دراستهم قبل الجامعية، وعدم السعي إلى مراجعة وقياس مستوى الدارس في قواعد النحو والصرف، إلى انخفاض وتردي مستوى اللغة. كذا فالابتعاد عن استخدام نسق التشكيل، وبيان الحركات الصوتية، وتفضيل الالتزام بتسكين كلمات الوقف في الجملة، بدعوى (سكن تسلم) أصاب نظام الجملة العربية، فمعنى الكلام ودلالته ومذاقه اللغوي، لا يظهر إلا عند استخدام حركات التشكيل، والتي يؤدي تغير وضعها أو ترتيبها إلى تغير دلالة ومعنى الكلمة، وتبعاً لذلك يتغير مضمون الجملة والسياق العام، ونحو ذلك كلمة: (عدنا)، فهذه الكلمة بدون تشكيل تجعل بالإمكان نطقها وفهمها على أنها (عَدَنَا) بمعني قام بالعد، أو (عُدنَا) بمعنى رجعنا أو (عِدنَا) بمعنى أعطنا وعداً.
إن انخفاض مستوى المعرفة اللغوية لدى المترجم يعيب الترجمة، ويضر بالمحتوى اللغوي، وربما يتسبب في كثير من الأحيان في أخطاء علمية ناجمة عن عدم إدراك لغوي سليم لمعاني الألفاظ ودلالاتها، وقواعد التركيب وأساليب البناء، وفي غالب الأحيان فإن الانخراط في تخصص علمي قد يوفّر معرفة لغوية أحادية نابعة من اللغة التي درس بها العلم ذاته، لكن ينقصه المعرفة لغة الهدف التي سينقل إليها، وكما أن لكل علم خصائصه ومنهجه، فإن لكل لغةٍ نسقاً لغوياً خاصاً بها، ولا يمكن الاكتفاء بمعرفة لغة واحدة بحيث يكون دور المترجم هو استبدال الألفاظ، فهذا يهدم النسق اللغوي ويخل بنظامه في اللغة المنقول إليها، كما أن اللغات تختلف في إمكانياتها التعبيرية بصورة لا تمكننا من التعامل معها جميعاً وكأنها على مستوى واحد من القدرة التعبيرية التي تجعلنا ندرك المعنى، ومن بين الأمثلة والنماذج التي تضج بها الترجمات الرديئة على سبيل المثال لا الحصر:
- حالة الإضافة والإضافة المتتالية- كقول: Legal laws ، rules and regulations، فهذه العبارة وما شابهها يترجمه الكثير من المترجمين: تشريعات وقواعد ولوائح قانونية، بينما الصواب هو: التشريعات القانونية وقواعدها ولوائحها، وهنا نجد أن الترجمة قد أقحمت تركيباً لغوياً يميل إلى اتّباع نسق اللغة المصدر، فيلوي عنق اللغة الهدف.
- تصدير الفاعل، تقوم اللغة العربية على تصدير الفاعل وإبرازه في حال معرفته ووجوده، لكن اللغات الأجنبية تميل إلى تأخيره أو حتى حذفه وبناء الجملة لمجهول ففي جملة : During her visit to UK Hilary Clinton announced about the US new policy، فيأتي من يترجمها على نحو: خلال زيارتها للمملكة المتحدة أعلنت هيلاري كلينتون عن السياسة الجديدة للولايات المتحدة!!، والصواب هو القول أعلنت هيلاري كلينتون خلال زيارتها ..... فهذا هو ما يتفق مع ما أورده ابن مالك في ألفيته.
- التغليب، ففي اللغة العربية يغلب استخدام المذكر ليشمل المخاطب بنوعيه، لكن النزعة الغربية والتأثر بالأساليب الأجنبية جعل الغلبة للعنصر النسوي من باب تعبيرهم عن التأدب الشكلي، فنجد أن التعبير الاستهلالي "Ladies and gentlemen" يترجمه الكثيرون "السيدات والسادة" وهو ما لا يستقيم وأسلوب العربية إذ أن الأَوْلَى القول: "السادة والسيدات" أو حتى الاكتفاء بقول: السادة أو سادتي.
- أسلوب العطف نجد أن معظم اللغات الأجنبية تميل إلى وضع حرف العطف قبل آخر معطوف كالقول Reem likes reading، poetry، swimming and travelling . هنا تقتضي قواعد اللغة الانجليزية استخدام حرف العطف (و- and) مرة واحدة قبل المعطوف الأخير، وهو ما لا تقبله لغتنا العربية؛ بل ينبغي أن يسبق حرف العطف كل معطوف، لكن الشائع أن يستخدم المترجم نفس البنية الأعجمية للجملة أو إسقاط حرف العطف كلياً مستعيضاً عنها باستخدام الفاصلة (،) فتأتي الترجمة: تحب ريم القراءة، الشعر، السباحة، السفر. بينما الصواب هو: تحب ريم القراءة والشعر والسباحة والسفر) باستخدام الفاصلة أو من دونها.
- البدء بالنكرة دون اقتضاء ذلك، فنجد في حياتنا اليومية عشرات اللافتات التي تحمل تعليمات أو تنبيهات بلغات أجنبية وتحتها ترجمة بالعربية تبدأ جملتها بكلمة نكرة لعل أشهرها هو " No smoking" والتي يترجمها الكثيرون إلى: "ممنوع التدخين" بينما الصواب هو: "التدخين ممنوع"، الإشكالية الأكبر هنا هو أن الأصل الأجنبي قد يختفي عن تلك اللافتات ولكن يبقى التعبير الخطأ ويشيع فيحسبه العامة سليماً صحيحاً.
- تجيز اللغات الأجنبية استخدام كلمة (بواسطة by) كقول The lesson was written by Omar (حرفيا: كتب الدرس بواسطة عمر) وهذا ما لا تجيزه لغتنا العربية، بل إن صواب القول هو أن نقول: كتب عمر الدرس.
- ذكر الفاعل بعد بناء الجملة للمجهول، فاللغات الأجنبية لا تهتم كثيراً بالإخبار عن الفاعل أما لغتنا العربية فقد استوجبت أن يكون لكل فعل فاعل معروف إلا في حالات ضيقة هي وضوح الفاعل ومعرفته المسبقة، أو جلال قدره وعظمته وتفرده بالفعل، أو للإيجاز، أو التحقير ولا يمكن أن نذكر الفاعل بعد بناء الجملة للمجهول في اللغة العربية، فليس من الصحيح قول "كُتِبَ الدرس بواسطة عمر"!!
- الترجمة الحرفية لبعض التعبيرات خاصة الفعل يلعب، فنجد أن كثيراً من المترجمين يُترجمون الفعل الانجليزي "play" إلى "يلعب" مهما كان موقع هذا الفعل في الجملة الإنجليزية ومهما كان السياق الوارد فيه، فنجد تعبيرات غير منطقية مثل: "لعبت مصر دوراً محورياً في الصراع العربي الإسرائيلي" فمعنى اللعب ومفهومه ودلالته في اللغة العربية لا يتفق مطلقاً مع قيمة الدور الذي نتحدث عنه، وكان أحْرى بالمترجم أن يقول: أدت أو مارست أو قامت أو جسدت أو نفذت أو: كان لمصر، أما أن يكون اللعب هو الفعل المستخدم في تعبير كهذا فهو أمر ترفضه اللغة من منطلق عدم اتفاق الدلالة.
- الاستخدام غير المنطقي البعيد عن الدلالة الصحيحة للفظ في ترجمة كلمة "against" في عبارة كـ "Algeria struggled against French occupation"، فنجد من يترجمها على هذا النحو: ناضلت الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي!! بينما صوابها عدم استخدام لفظة "ضد" لأنه من البديهي أن يكون النضال موجه لمن هو ضد فنقول ناضلت الجزائر الاحتلال الفرنسي. يتضح الأمر أكثر في ترجمة جملة مثل: "Passengers should be insured against accidents" والتي تترجم خطأ بقولهم: يجب تأمين المسافرين ضد الحوادث!! والصواب هو: يجب تأمين المسافرين من الحوادث.
- وبالمثل، يترجم مصطلح "Women Empowerment"، إلى "تمكين المرأة"، وهي ترجمة خاطئة تؤدى إلى تغيير المعنى والمضمون، وتوجيه الفهم باتجاه مختلف تماماً.
- شيوع وصف النقل التفصيلي الشامل للحدث بقولهم: تغطية الحدث كترجمة للعبارة الانجليزية Event Coverage أو غطى المؤتمر Cover the conference أو تغطية حية a live coverage، وهذا استخدام غير منطقي وخاطئ للفعل يغطي في اللغة العربية أقحمه البعض في محتوى لغتنا المعاصرة، فجميع معاني ودلالات الفعل (يغطي) في اللغة العربية تشير إلى الستر والإخفاء.
- إغفال استخدام المفعول المطلق، فثلة من المترجمين هم من يدركون مواضع وآلية استخدام المفعول المطلق عند الترجمة، بينما السواد الأعظم يميل إلى استخدام (على نحو، أو بصورة، أو بشكل)
- الإصرار غير المبرر لدى كثير من مترجمي العربية على لي عنق اللغة العربية، ومخالفة قواعد الاشتقاق كي يمكنهم إيجاد مقابلات لفظية أحادية التركيب، كترجمة لكلمات أجنبية، ومثال ذلك ترجمة كلمة مصطلح مثل: "Translatability" إلى مصطلح الترجمية، رغم أن صوابها هو "قابلية الترجمة"، ويأتي هذا نتيجة لعدم إدراك المترجم لحقيقة أن سمات التركيب تختلف من لغة إلى أخرى، وأن اللغات الأجنبية تعتمد أسلوباً تركيبياً يقوم على استخدام الزوائد "prefixes" واللواحق "suffixes"؛ لذا فإن اللفظة الواحدة في اللغة الأجنبية قد يقابلها تركيب.
- استخدام الفعل "تم"، فيترجم البعض جملة "Cars are made in the factory" إلى: يتم تصنيع السيارات في المصنع، وهي ترجمة ركيكة مبتذلة، فالصواب هو ترجمتها: تُصنع السيارات في المصنع، لأن الفعل "تم" بمعنى "كَمُلَ، اكتمل" فيقال على الصواب: تَمَّ بناءُ البيت، أي اكتمل بناء البيت وليس بمعنى بُنيَ!
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أيضاً:
- تأخير الاسم المؤكَّد مثل: (حدث نفس الشيء)، وصحته (حدث الشيءُ نفسُه)
- تعريف كلمة (بعض) مثل: (انضم الرفاق إلى بعضهم البعض)، وصحته (بعضهم إلى بعض).
- تعريف كلمة (غير) مثل: الغير مهتمة، وصوابها غير المهتمة.
- التّعدية بحرف الجرّ مثل: (أنجزته بالرّغم من ضيق الوقت)، وصحته: (أنجزته على الرغم من ضيق الوقت) فالباء حرف يفيد الالتصاق بالشيء أو الإمساك به ولا يناسب هذا التركيب.
- استخدام اللفظ الأعجمي مثل: الراديو، والتليفون، والكومبيوتر وصحتها المذياع، الهاتف، الحاسوب..
- ازدواجية الفصحى والعامية: فيمزج المترجم اللفظ الفصيح بآخر عامي أو دخيل.


كذلك يحسب بعض المترجمين أن استخدام التعبيرات الشمولية وغير المحددة يضفي نوعاً من الحيادية على النص، وهذا فهم خاطئ، فالحيادية إنما تنتج من التعبير الواضح الجلي، ومن خلال اللفظ الصادق الحقيقي، وهذا ما يمكن للمتلقي أن يستبينه بسهولة ويسر، وقد عاب أهل اللغة والنقد التراكيب والأساليب التي تفتقر إلى المعنى حتى وإن كان صاحبها خطيباً مفوهاً أو شاعراً فحلاً، وأرجعوا هذا الغموض إلى ضعف المتكلم أو الكاتب، وميله إلى اللغو وفضل الكلام الذي لا طائل منه، وهؤلاء يغيب عنهم غاية الأدب في أنه التعبير عن معانٍ سامية في قوالب بديعة وأنساقٍ متقنة، وسياقات متفقة، فينجم عن ذلك الغموض نتيجة استخدام الألفاظ في غير ما وضعت له، واستخدامها فيما لم يتعارف عليه أهل اللغة من معانٍ ودلالات مرتبطة بالنص، أو مخالفة أصول النحو والصرف في اللغة، سواء كانت مصدراً أو هدفاً، أو الإكثار من زوائد الكلام الذي لا يعبّر عن معنى، أو يزيل غموض ما جاوره من كلام، أو التداخل بين التراكيب وعدم وضوح دلالتها التركيبية، أو استخدام تعبيرات اصطلاحية غير معروفة حتى بين أصحاب الفن أو المجال الواحد، أو الاستطراد المنفر والتكرار الزائد الذي يدفع المتلقي إلى إضاعة المعنى، ويتسبب في تكبده بالغ العناء كي يلم بأطراف هذا المعنى، ومن أمثلة ما رأيناه في بعض الترجمات:
- حديقة منزل للبيع... فهل الحديقة هي محل البيع أم أن المنزل هو المقصود بالبيع؟
- قابل أحمد سعيد: قابل: فعل ماض من (يقابل)، يشير إلى حدث هو المقابلة واللقاء في الزمن الماضي، ولكننا لابد وأن نتساءل: مَن الذي قابل مَن؟ فهل أحمد هو الذي قابل سعيد؟ أم أن سعيد هو الفاعل الذي قام بمقابلة أحمد؟ وقد يذهب بنا الغموض إلى أبعد من ذلك فنحسب أن (أحمد سعيد) هو اسم شخص واحد، ونبدأ في البحث عن فاعل جديد أو مفعول جديد!!!( مجرد إهمال تشكيل بعض الكلمات يقودنا إلى مشكلات لغوية وإدراكية كثيرة)
- "سيكتب مصطفى عن المقالات المنشورة على صفحات الجرائد". (على صفحات الجرائد)، فهذا يجعلنا نتساءل هل سيقوم مصطفى بالكتابة عن المقالات المنشورة ثم سيقوم بنشر كتابته على صفحات الجرائد؟ أم أن مصطفى سيكتب عن المقالات التي يتم نشرها في تلك الجرائد، وتكون المقالات المنشورة هي موضوعه الذي يكتب عنه؟!
نضيف إلى ذلك أخطاء ترجمة المصطلح العربي الإسلامي، فهذا النوع من الألفاظ العربية يصنف ضمن مجال دلالي خاص، هو المجال الديني الإسلامي، ويضم ألفاظاً وتعبيرات منحها الإسلامُ معانيَ محددة، وارتبطت بعقيدته وأحكامه، ويكمن الخطر في ترجمة هذا النوع من الألفاظ في عدم وجود مكافئات لفظية لها في اللغات الأخرى، وذلك مرجعه إلى اصطفاء الله عز وجل للغة العربية لتكون هي لغة الإسلام والقرآن، وسنشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى ثلاث مصطلحات هي: الهجرة، والجهاد والأمة، موضحين ما يقع فيه التراجمة من أخطاء تتخطى السقطات اللغوية لتهوي إلى أخطاء عقائدية وشرعية، وتؤدي إلى اللبس وتمييع المعنى الدلالي.
(1) مصطلح الهجـرة
الهجرة من الهجر والهجران وهي ضد الوصل، وقد صبغ الإسلام هذا المصطلح بدلالات دينية ترتبط بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرة الذنوب والابتعاد عنها، وهجر الزوجة الناشز، وهي أيضاً مفاهيم تغيب عن اللغات الأجنبية لذلك شاع بين المترجمين أن يترجموا هذا المصطلح مستخدمين في الانجليزية كلمة "immigration" وفي الفرنسية كلمة "émigration"، وكلتاهما تشيران فقط إلى الارتحال والسفر، وحين حاول بعضهم صبغها ببعض مما تحمله من دلالات دينية استخدموا مصطلح "exodus"، وهو مصطلح يشير إلى نزوح اليهود مع موسى عليه السلام من مصر!!
(2) مصطلح الجهـاد
الجهاد لغة: هو السعي وبذل الجهد. أما اصطلاحاً فهو بذل الطاقة والوسع لنصرة كلمة الله ولتحقيق أهداف الرسالة السماوية في مختلف الميادين سواء في أيام الحرب أو السلم. يكون الجهاد بثلاثة طرق مختلفة: بالقول، وبالسلاح، وبالعمل (حسين بن محمد الدامغان -قاموس القرآن -1970).
إذاً فالمعنى الواسع للجهاد يشير إلى تبليغ الرسالة ونشر الدعوة ومقاومة النفس ونزغ الشيطان، وهذا ما تفتقر إليه مضامين ودلالات كلمات مثل: "fight، struggle، strife، dispute" الإنجليزية والتي لا يمكنها أن تعبر عن حقيقة معنى ومفهوم الجهاد في الإسلام، وقد أدى سوء الترجمة التي كانت في أفضل صورها تستخدم التركيب (holy war) بمعنى الحرب المقدسة إلى إتاحة الفرصة للمغرضين والمشككين ليزعموا انتشار الإسلام بحد السيف ومن خلال الحرب والعدوان.
(3) مصطلح أمّـة:
تشير كلمة "أمّة" في كلام العرب إلى جماعة الناس التي تقصد جهة معينة أو مقصداً محدداً، واصطلاحاً تشير إلى "جماعة من الناس يغلب عليهم الأصل واحد، وتجمعهم صفات موروثة، أو مكان، أو زمان"، وهذا التعريف الاصطلاحي لا يختلف عن تعريف المعاجم الإنجليزية والفرنسية لكلمة "Nation"، إلا أن هذا المصطلح لا يرقى للتعبير عن الجانب العقائدي والديني لهذا لمصطلح "أمة" في السياق الديني الإسلامي العربي، وهذا ما لا يفطن إليه كثيرٌ من المترجمين، بل حتى المخضرمين منهم وقعوا في هذا الخطأ، وعمدوا إلى استخدام كلمة "nation" مغلبين في ذلك الوصف العددي، رغم أن مفهوم "الأمة" في اللغة العربية عامة والسياق القرآني خاصة يحمل دلالات فكرية ودينية لم يحظ لفظٌ في اللغات الأجنبية بمثلها، فشحت تلك اللغات عن أن تهبنا المكافئ اللفظي للفظ "الأمة" لغةً أو اصطلاحاً!